محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
258
المجموع اللفيف
يبلغه ثبير [ 1 ] ، ولا يعشره يلملم [ 2 ] ، ولا تبلغه هضبات يذبل [ 3 ] [ 93 ظ ] ذي يفاع الأطول ، لولا معجزة اللّه بها أعلم ، والأحاديث عنها تكثر ، ومنها أنّا لا نرى لأربع مائة ألف ضحية تنحر في صعيد واحد كل سنة من فرث أو دم ، أو ما يتولد من الذبائح والمقاذر والروائح شيئا تأباه النفس ، وتنبو عنه العين ، وأنت لو اعتبرت ذلك في مدينة يذبح قصّابوها الأعداد اليسيرة ، لرأيت ما يغضّ الناظر ، ويشمئزّ منه الخاطر ، ويدل ذلك على موضع الإعجاز والإعجاب ، فانّه أمر لا يخفى إلا على عديم حسّ ، وسقيم نفس ، ثم إني اعتبرت في مقامي أمر الحمام ، مع كثرة العدد ونميّه على طول الأبد ، وهو لا يعرض له خارج ، ولا يذعره صائد ولا ذابح ، ولا نرى حمامة طارت على سطح الكعبة ، إلا أن تكون عليلة ، فترى هناك طريحة كالمستشفية حتى تبرأ ، ثم تعود إلى عادتها . حدثني شيخ من أهل المدينة يكنّى أبا القاسم ، ونحن في الروضة ما بين القبر والمنبر ، وهو يقسم بهما ، أنّ ختنا [ 4 ] له يكنّى أبا الطيب الدينوري ، كان مجاورا بمكة ثلاثين سنة ، قال : فزرته في بعض السنين التي حججت فيها في منزله ، فقلت : أبا الطيب قد أخذت من المجاورة بنصيب ، فلو عدت بأهلك إلى مسقط رأسك ، فان تلق منيّة ففي غير غربة ، وحيث يشاهدك ذووك ، ولا يعرف عنك أقربوك ، فقال : أصبت ما في نفسي ، وكان موسرا ، فحاسب معامليه ، وجمع حاشيته ، وعمل على الرجوع ، فبينا هو كذلك في المسجد ،
--> [ 1 ] ثبير : من أعظم جبال مكة ، بينها وبين عرفة . ( ياقوت : ثبير ) [ 2 ] يلملم : موضع على ليلتين من مكة وهو ميقات أهل اليمن ، وفيه مسجد معاذ بن جبل ، وقال المرزوقي : هو جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث ، وقيل : هو واد هناك « ياقوت : يلملم ) [ 3 ] يذبل : جبل مشهور الذكر بنجد في طريقها ، قال أبو زياد : يذبل جبل لباهلة ، مضارع يذبل إذا استرخى ، وله ذكر في شعرهم . ( ياقوت : يذبل ) [ 4 ] الختن : كل من كان من قبل المرأة كأبيها وأخيها ، وكذلك زوج البنت أو زوج الأخت ، والجمع أختان .