القاضي النعمان المغربي

264

المجالس والمسايرات

له من الرّيح والطّير والجنّ بأرض الشام فلا يعرف أمر ملكة سبأ ولا اسمها ولا دينها على قرب مسافة ما بينهما حتّى يأتيه بذلك الهدهد ؟ ! وأقلّ ملك من ملوك الأرض اليوم قد علم مثل ذلك من أحوال من / كان في أطرافها من الملوك « 1 » ؟ ثمّ كأنّي رأيته وارى عن ذلك فجاء في ظاهر القول بحجّة هي مثله في الحال ، فقال : وهذا غير منكر في قدرة اللّه ( عج ) ، وقد أقام يوسف بمصر ما أقام ، ويعقوب أبوه بالشام لم يعرف خبره ولا أين هو . وأحد من يؤسر اليوم في أطراف الأرض ويكون في الحبوس والوثاق والمضايق يصل خبره إلى أهله ويكاتبهم بحاله . وكأنّي رأيته جاء في الحجّة بمثل ما ابتدأه في القول وترك ذلك موقوفا . وقد كنت قديما أعتبر ذلك من قوله فلا أراه إلّا كما ظننت به . فما هو إلّا أن تمّ قولي حتّى ابتدأني ( صلع ) فقال : وما في أمر الهدهد وما ذكره / من جهل سليمان ( صلع ) بأمر ملكة سبأ حتى أتاه به الهدهد ، ما يهوّل به الفاسق ويطيل ويسهب فيه هذا الإسهاب ويطنب مثل هذا الإطناب ؟ وهل علم أحد من النّبيّين والمرسلين والملائكة المقرّبين أمرا من الأمور إلّا من بعد أن كانوا به جاهلين ؟ والمتفرّد بعلم ما كان ويكون ، هو اللّه ربّ العالمين فأمّا من دونه من المخلوقين فلم يعرفوا ما كان ولا ما يكون إلّا بإخبار اللّه ( عج ) إيّاهم بذلك وإخبار بعضهم بعضا عمّا شاهدوه وبلغهم وعلموه ، فكلّ إنسان بما غاب عنه جاهل حتّى يؤدّيه إليه من شاهده وأخبره عنه . وقد يجوز أن يكون أوّل من / أدّى إلى سليمان أمر ملكة سبأ الهدهد . ومثل هذا من الأمور قد يعلمه من هو دون من يجهله ، كما يعلم أخبار ما في شاسع البلدان

--> ( 1 ) لقد عزا الجاحظ هذا القول لأصحابه فصدره بقوله : « ثم طعن في ملك سليمان وملكة سبأ ناس من الدهرية وقالوا . . . » ( الحيوان 4 / 85 ) وتعقبهم بالرد ( انظر صفحة 86 وما بعدها ) . والنقل هنا بالمعنى وليس من لفظ الجاحظ . والعجب للقاضي النعمان كيف تغيب عنه دقة الجاحظ وهو يثير مسألة الهدهد ، ولعله في هذا أحد أحدين : اما أن يكون قد طال الأمد على قراءته الحيوان فنسي التفاصيل ، أو أن النسخة التي طالعها كان بها سقط واختلال ، ونستبعد عليه التعمد ، برغم الخلاف بين المعتزلة والشيعة الذي نجد له أصداء واضحة في بعض فصول هذا الكتاب ، ولا سيما إبطال حجية العقل ( انظر ص 423 ) وكذلك في بعض كتب الجاحظ « السياسية » مثل ك . العثمانية المعروف وكتاب « امامة معاوية » الذي ذكره المسعودي ( مروج الذهب ج 3 ص 253 ) فقال إنه يؤيد فيه إمامة بني أمية وينتصر لهم من علي وشيعته .