القاضي النعمان المغربي

185

المجالس والمسايرات

رحمة « 1 » لأن اللّه عزّ وجلّ / ذكر حدوده التي افترضها وأمر عباده بإقامتها / و / هو أرحم بخلقه وأعلم بصلاح عباده أجمعين . فإن زعم الذي أنكر قتله أن لم يقتل فيجب القتل عليه ، واحتجّ بالحديث الذي رواه أئمّته أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال فيما زعموه : لا يحلّ قتل امرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر إلّا في ثلاث : زنا بعد إحصان أو كفر بعد إيمان أو قتل نفس بغير نفس « 2 » ، فهو لا يدري إن كان هذا الذي أنكر قتله قد اقترف شيئا من ذلك أو لم يقترفه . وقد نطق الكتاب بقتل غير من ذكروه في هذا الحديث . فقد قال اللّه عزّ وجلّ : « إِنَّما جَزاءُ / الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ « 3 » » . فالمفسد في الأرض وقاطع الطريق يقتل في قول أئمّته وكذلك اللصّ ، ومن نازع رجلا على شيء من ماله أو مال غيره من المسلمين أو أراد قتله ، فجائز له أن يقتله . قال اللّه عزّ وجلّ : « فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ « 4 » » ، فأوجب قتال أهل البغي وأباح قتلهم . فهل كان هذا الفاسق الجاهل المغرض يعلم حال هذا الذي أنكر قتله ، وأنّه كان بريئا من هذه الوجوه كلّها والتبعات / بأسرها أو كان علم كيفيّة قتله وعلى أيّ الوجوه جرت أموره ؟ بل هو لا يدري على الحقيقة من ذلك شيئا . ولكنّه يدري أنّ العبد الذي هرب بجدّه الدّاخل « 5 » إلى الأندلس من المشرق وخاطر بنفسه فيه حتّى أصاره / إلى / المصر الذي صار إليه قد قطع يده وقتله من أجل أنّه لطمه يوما في حين مجيئه به - وقد رأى بعض رجال السلطان - ليوهمهم أنّه عبده ، وأراد بذلك نجاته . فكان لهذا المنتقد ما يجهله ، أن ينتقد على سلفه ما يدريه ويعرفه . وقد يكون المؤدّب والقيّم

--> ( 1 ) في الأصل : لا تعد رحمة اللّه . ( 2 ) حديث : لا يحل . . . ذكره البخاري ، ج 9 ص 6 ، والترمذي ج 9 ص 2 ، وأبو داود ج 2 ص 440 وابن حنبل ج 1 ص 437 رقم 437 والسيوطي في الجامع الصغير ج 3 ص 356 . ( 3 ) المائدة ، 33 . ( 4 ) الحجرات ، 9 . ( 5 ) عبد الرحمن بن معاوية ، الداخل إلى الأندلس سنة 139 / 757 انظر : ابن الأثير ج 3 ص 360 . ولعل العبد المذكور هو مولاه بدر ، على أن المصادر التاريخية لم تعرض لهذه الحادثة .