القاضي النعمان المغربي
123
المجالس والمسايرات
ومثل هذا من الغلظة في ذات اللّه واللين فيه قد كان في أنبيائه المرسلين ورسله المصطفين . وقد كان موسى عليه السلام قويّا شديدا / غليظا في ذات اللّه . وكان عيسى عليه السلام رؤوفا رحيما في ذات اللّه ، وكلاهما كان على سبيل الهدى من اللّه ، ولكل ذلك وقت وزمان يجري الحكمة فيه به . وكذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في وقته وعليّ عليه السلام في عصره . ( قال ) وقد كانت خديجة عليها السلام في الصبر واللين والحلم والأناة على مثل ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وكان اللّه تعالى قد جعل فيها لنبيّه فرجا وسكنا يرجع إليها إذا أضجره تكذيب المشركين له أو أذاهم إيّاه ، وأتاها ، فيجد عندها / من العزاء وتسهيل ذلك عليه ما يسلّيه عنه . 67 - ثمّ ذكر عليه السلام في هذا المجلس على نحو هذا الكلام أبا جعفر محمد ابن علي بن الحسين الباقر ، قال : لقد بذل في عصره من نعم اللّه عنده وأسبغ منها على العباد ما لم يكن مثله فيما تقدّمه إذا وافقه ذلك الوقت وساعده العصر ، ثمّ كان من أبي عبد اللّه جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه بعده من التضييق والإمساك أمر عظيم بقدر ما تهيّأ في زمانه واتّجه في عصره وأوانه . فقلت : لا جرم أنّ ذلك أوقع الشيعة من بعده في الاختلاف العظيم واختلفوا / في وليّ الأمر من بعده افتراقا كثيرا « 1 » . فقال عليه السلام : في ذلك سعادة المحقّين وشقوة المبطلين . قلت : يا مولاي ، فلو كان أوضح الأمر كما أوضحه أبوه فيه ، وأزال الشّبهة عن أوليائه ، وأقام فيهم صاحب الأمر بعده ونصّ عليه صراحا ، ألم يكن ذلك أذهب للشّبهة وأقطع للاختلاف ؟
--> ( 1 ) يفهم من كلام النعمان أن تكتم جعفر الصادق في التصريح بولي عهده هو الذي أوقع البلبلة ثم الانقسام بين الشيعة . فلذلك نرى المعز يدافع عنه ويبرر التكتم ويفسره بعداوة العباسيين للشيعة ، وقد تبنى القاضي النعمان هذا التفسير في أرجوزته « المختارة » التي نظمها في الاحتجاج للأئمة والدفاع عنهم ، فقال في خصوص تعيين الامام بعد جعفر الصادق ( البيت 1856 وما يليه من طبعة إسماعيل قربان بوناوالا ، مونتريال ، ص 191 ) : « واشتدت المحنة بعد جعفر * فانصرف الأمر إلى التستر « وكان قد أقام بعض ولده * مقامه لما رأى من جلده « فعجل الأمر له في ستر * فلم يكن - قالوا - بذاك يدري « لخوفه عليه من أعدائه * إلا ثقات محض أوليائه . . » وانظر فصل « جعفر الصادق » في دائرة المعارف الاسلامية .