القاضي النعمان المغربي

124

المجالس والمسايرات

قال : هيهات ! لم يكن ذلك زمان ذلك ، وقد فعل ذلك لمن وثق به : فأمّا التصريح به وإشهاره ، فلم يكن ذلك يمكنه في وقته ولا يتهيّأ له في عصره ، للخوف عليه ، في الإظهار ، والتقيّة من عدوّه . وكان ذلك ابتداء أمر بني العباس / وهم يعلمون كيف ابتزّوا ذلك واستلبوه منه ، وسأله من سأله إظهار ذلك في وقت لا يمكنه إظهاره فيه ، فقال : أرأيتم لو سألتموني في اليوم عن صاحب الأمر من ولدي ، وقد علمتم - لا تشكّون فيه - أنّه أحدهم وأنّها لا تكون إلّا في العقب ولا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام « 1 » ، ولم يكن اللّه عزّ وجلّ بعد أطلعني على مكان اختياره منهم فأنصبه لما يريني فيه من مخايل الخير ، ما كنت صانعا ؟ وأنا إن سألتموني عن أحدهم فأشرت إليه ، لم أدر [ لعلّ ] اختيار اللّه يكون في غيره . وإن نفيت ذلك عنه لم أدر لعلّ اختيار اللّه عز وجل يقع / عليه . فالذي عليكم ، الإمساك والتسليم حتّى يختار اللّه عزّ وجلّ لكم ويجعل لكم البركة والخير فيمن يختاره . وكذلك لو سكت القوم يومئذ عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه ، لما وقعوا في الشبهة . سمعت المنصور عليه السلام يقول لي : واللّه ما أنا آثرتك بما آثرتك به ، بل اللّه آثرك واختصّك وأعطاك واجتباك . واللّه لو ملكت من الدنيا درهما فما فوقه غير هذا الوجه لما استجزت أن أخصّ به أحدا من ولدي دون أحد . فأمّا ما خوّلني اللّه من الكرامة واصطفاني به من الإمامة ، فإنّما هو متاع عندي وعارية في يدي لانقضاء المدّة وتمام العدّة . ثم هو لك / بحكم اللّه وأمره وإعطائه ، لا عن أمري وحكمي واختصاصي إيّاك به ، بل « ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ « 2 » » * . فقلت : لقد فتح أمير المؤمنين لنا من هذا ما كان مقفلا وأوضح منه ما كان مشكلا ، مدّ اللّه لنا في عمره ووفّر حظّنا من فضله ! فقال : واللّه ما نضنّ بما عندنا عنكم ولا نبخل بفضل اللّه عليكم ، ولكنّا قلّما نجد لقنا يقبل منّا أو سائلا يسألنا .

--> ( 1 ) يفهم من كلام جعفر الصادق هنا أن انتقال الإمامة من الأخ إلى أخيه ممنوع ، وفي هذا لبس ، إذ أن سبب الخلاف هو تعيينه موسى الكاظم بعد إسماعيل مع وجود ابن إسماعيل ، الامام السابع عند الإسماعيلية ( وانظر تفصيل هذه المسائل في ص 95 تنبيه 1 ) . ( 2 ) الحديد ، 21 .