محمود طرشونة ( اعداد )

59

مائة ليلة وليلة

وهو الذي يوجه اختياره لأصناف الحكايات . فإذا كان الجمهور من الأطفال فالحكاية لا تكون إلّا عن الخوارق والعوالم غير المرئية ، وإذا كان من الرجال الكهول فالحكاية واقعية أو أخلاقية . وإذا توجّه الراوي إلى جمهور من المتديّنين فهو يخاطبه بحكايات دينية ذات نزعة وعظية « 124 » . أما الأوساط النسائية فهي مقترنة بوجود الأطفال فحكاياتها تكون كذلك عن الخوارق ولكن إذا كانت المرأة هي الراوية فإنها تحمّلها كثيرا من أحلامها وعقدها وشهواتها المكبوتة وغير المكبوتة . فما معنى جعل الفارس الذي يحارب البطل ويصمد في وجهه يوما كاملا امرأة « 125 » إن لم يكن تجسيما لرغبة الرّاوية في منافسة الرجل في أخصّ مجالاته وهو القتال في وسط يفرض فيه الرجل على المرأة حصارا سميكا وحجبا غليظة ؟ وقد تنافسه في ميدان آخر أراد كذلك احتكاره وهو ميدان العلم ، وحكاية « الجارية تودّد » المشهورة أحسن مثال يجسّم هذه النزعة عند المرأة إلى إبراز طاقتها التي لا تمكّنها من مساواة الرجل فحسب بل من الفوز عليه والسخرية منه وانتزاع ثياب علماء أجلّاء في الدين والطبّ والتنجيم وغير ذلك في مجلس الخليفة . فلا يكون راوي هذه الحكاية في نظرنا إلّا امرأة . « 126 » وتظهر في « مائة ليلة وليلة » زيادة على المرأة المحاربة والمرأة العالمة المرأة العاشقة أيضا . فكأنّ الحكاية وسيلة تمكّنها من رفض وضعها جارية يتصرّف فيها المقيّنون كما يشاءون أو عذراء يبذل والداها أقصى الجهد للحفاظ على بكارتها . فتبذل بدورها أقصى الجهد لمغافلتهما ومغافلة الرقابة الاجتماعية ولو عن طريق الحلم والخيال أي عن طريق

--> ( 124 ) انظر كتاب بينون ( Pinon ) « الحكاية الخرافية كموضوع دراسة » ص 23 . ( 125 ) انظر حكايات « ظافر بن لاحق » و « نجم الضياء بن مدبّر الملك » و « سليمان بن عبد الملك » و « الملك والثعبان » . ( 126 ) رويت هذه الحكاية مستقلة ثم أدمجت في « ألف » و « مائة » ولكن في - ت - فحسب .