محمود طرشونة ( اعداد )

58

مائة ليلة وليلة

جميع النسخ احتوت على أخطاء نحوية لا تحصى . إلّا أن ذاكرة هؤلاء الرواة لم تخل من ثقافة سمعية بسيطة تتمثّل في حفظ بعض الآيات يقتبسون معانيها وشيئا من ألفاظها « 121 » ، وبعض الأشعار يتصرّفون فيها كلّ حسب قوّة ذاكرته وسلامة ذوقه ، وفي حفظ نصيب ضئيل جدا من الأمثال المعروفة والأنساب المشهورة « 122 » وقد نبّهنا إلى كل هذه العناصر الثقافية في مواضعها من تحقيق النص . ويوجد مستوى لغوي ثالث أبعد عن الفصحى من المستويين السابقين انفردت به النسخة التونسية أيضا في ما زادته من حكايات مستمدّة من التراث الشعبي مثل « حديث ابن تاجر مع الغربي » وحديث « علي الجزّار مع هارون الرشيد » . « 123 » وراوي هذا الصنف من الحكايات لا يجهد نفسه كثيرا في نقل ما تعوّد روايته شفويّا إلى الفصحى ، فيثبت الكلمة أو الجملة كما سمعها وقالها عديد المرّات ، ولا نظنّ أنه قصد إلى ما يسمّى « باللون المحلّي » أو جعل كلّ شخص يتكلّم لغة تناسب منزلته الاجتماعية ووظيفته كما يدعو إلى ذلك في الوقت الحاضر بعض نقاد القصّة وكتّابها في المشرق والمغرب . فالكلام التونسي الدّارج جاء على لسان هارون الرشيد نفسه وقد قال لجعفر : « لا بدّ نلبسوا لباس الدراويش ونطوفوا المدينة وننظروا هذا الولد الحلواني » وكثر مثل هذا الأسلوب في السرد خاصة فدلّنا على مستوى الراوي ( أو الراوية ) . تلك ثلاثة مستويات لغوية تدلّ على ثلاثة أصناف من الرواة وربّما كذلك على ثلاثة أصناف من جمهور هذه الحكايات . وهذا الاحتمال يدفعنا إلى تصوّر عالم الحكاية وأبعادها النفسية والاجتماعية عند الجمهور . فالجمهور هو الذي يفرض شروطه على الراوي بصفة غير مباشرة .

--> ( 121 ) ربّما سمعوها في خطب الجمعة فرسخ شيء منها في أذهانهم . ( 122 ) وتروى الأنساب بتسلسل يختلف كثيرا من نسخة إلى أخرى . ( 123 ) حكايات العروي II ، 39 - 64 .