محمود طرشونة ( اعداد )

49

مائة ليلة وليلة

وإذا فوجئ الجمهور بمفاجأة عنيفة وأصبح ينتظر بقيّة الأحداث فإنه لا يهتم إلا بها . وقد فهم الرواة ذلك فخلت حكاياتهم من الأوصاف . فالحكاية الخرافية تتميّز عن غيرها من الأشكال القصصية بهذا التجريد المطلق . فلا مجال لوصف المشاهد الطبيعية « 108 » والنماذج البشرية والمظاهر الاجتماعية إلّا نادرا . والسرد ليست له وظيفة إلّا ذكر أحداث جديدة وتطوير الحركة القصصية . وإذا ظهر شخص جديد فمعنى ذلك حدث جديد وربّما حكاية جديدة داخل الحكاية الأصلية . فكأنّ الراوي يعرف أن الجمهور لا يهتمّ إلا بالحدث . لذلك تراه يصوّر في السرد شخصية كاملة في كلمة أو كلمتين : ملك عادل أو ملك جاهل - وربما سمح لنفسه بشيء من الزخرف فأضاف : « تهابه الأكابر وتخضع له الأصاغر » فكأنّه يتعمّد الاختصار فلا يصف المرأة مثلما يصفها الشعراء عضوا عضوا وإنما يعجز عن ذلك فيشبّهها « بالقمر الساطع والغزال الراتع » . وربّما استغنى حتى عن هذا التشبيه فقال : « هي أجمل من مشى على الأرض » . وللسامع الحريّة المطلقة في تصوّر هذا الجمال الرائع إن ترك له الراوي وقتا للتّصوّر ، فهو سرعان ما يبعث عفريتا لاختطافها . ونحن نجد مع ذلك وصفا للمعارك والأودية والقصور ولكن لا يوجد أي فرق بين المعركة التي دارت في « حديث نجم الضياء » والمعركة التي دارت في « حديث ظافر بن لاحق » أو « سليمان بن عبد الملك » ولا فرق بين الوادي الذي تاه فيه مسلمة بن عبد الملك والوادي الذي تاه فيه غيره من الأبطال . ولا فرق بين كلّ القصور التي وصفت . فنفس العبارات - أو القوالب الجاهزة - تتكرر في السرد والأوصاف . وكلّ بطل لا بدّ أن يكون في طفولته قد « تعلّم ركوب الخيل وخوضان الليل والطعن بالقنا والضرب بالحسام » وفي كلّ يوم « يصبح الله بخير الصباح » وكلّ بطل « لا يصطلى له بنار ولا يسكن له بجوار » وكلّ قصر « قد بنته العمالقة والروم البطارقة » وكلّ من ضلّ الطريق « يهيم كما يهيم النعام في البريّة » وفي كلّ معركة

--> ( 108 ) نستثني بعض الأوصاف التي سنعود إليها لشرح وظيفتها .