محمود طرشونة ( اعداد )
336
مائة ليلة وليلة
ثم خرج من البلاد وسار لا يدري أين يتوجّه ، فصار يمشي هائما بنفسه . وكان فصل الشتاء . فما زال يمشي إلى أن وصل إلى مدينة ، فدخلها عشية وقد أدركه الجوع والبرد مع شدّة الرعب والخوف والتعب وأشرف على الهلاك . فقصد إلى فندق التّجّار وكانت فيه بضائع أعيان النّاس « 3 » وأموالهم . فبقي حائرا لا يدري ما يصنع . فقال لقائم الفندق : - هل عندك بيت أبيت فيه الليلة ؟ فقال له : - والله لا يبيت عندي صعلوك فقير لأنّ هذا الفندق فيه بضائع وأموال التّجار ولا آمن على نفسي . قال : فبقي الوزير حائرا لا يدري ما يصنع ، فقام إليه رجل من التجار وقال : - يا قائم هذا الفندق ، أعطه بيتا يبيت فيه الليلة وهو في ضمانتي . فأدخله القائم إلى بيت جديد مسطح فدخل الوزير البيت فوجده بدون حصير . فأراد الجلوس فلم يستطع من شدّة البرد « 4 » . فأراد أن يسند ظهره إلى الحائط فلم يقدر من شدّة البرد . فتحيّر الوزير والليل قد أرخى سدوله ، والناس قد أغلقوا أبوابهم . فمنهم من بقي في بيته ومنهم من [ أ - 233 ] بقي ينشد والوزير يقول : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، بئس ما فعلت بنفسي . هلا أويت إلى قبّة فرن أبيت فيها الليلة ؟ » ثم إنه فكّر في حاله وبما كان عليه من النعم وكيف بدّلت له نقما فتمثّل بهذه الأبيات : ألا موت يباع فأشتريه * فهذا العيش ما لا خير فيه تراني كلّما أبصرت قبرا * وددت بأنّي الملحود فيه ألا فارحم فللهيمان أحرى * تصدّق بالممات على أخيه « 5 » [ الوافر ]
--> ( 3 ) لعلّه يقصد أعيان التجّار . ( 4 ) أ : من شدة برد الحيط . ( 5 ) في الأصل : ألا فارحم الهيمان أحرى .