الأمير أسامة بن منقذ
50
لباب الآداب
التسلّط على العبيد وإن كثروا ؛ وهي عند الناس جميعا أولى ، ولا سيّما لذوي الفهم والأخطار . وأنت حقيق أن تسلّ سخيمة « 1 » العامّة ، بما تذيفهم من رفق تدبيرك ، وتضعه عنهم من مكروه العنف والخصاصة « 2 » ؛ فإن العبيد إذا عرضوا على المشترين لا يسألون عن يسارهم وجاههم ، وإنما يسألون عن أخلاقهم ، : وهل فيهم فظاظة ؟ فالأحرار أجدر أن يتعرّفوا ذلك ، وأن يعرّوا منه إذا كان ذلك في السلطان ؛ ولذلك ما يصيرون « 3 » إلى خلعه والوثوب عليه . وإذا ظهرت على فئة فضع من أوزار الحرب وأوزار الغضب ، لأنهم في تلك الحال كانوا عدوّا ، وفي هذه الحال صاروا خولا . فقد ينبغي أن تبدّلهم من الغضب رحمة وعطفا . وقد ينبغي للسلطان أن يعرف مقدار الغضب ، فلا يكون غضبه شديدا طويلا ، ولا ضعيفا قصيرا ، فإن ذلك من أخلاق السّباع ، وهذا من أخلاق الصبيان . ومن كبر الهمّة أن يكون الملك متعطّفا على الناس ، فإنه بالعطف والرحمة ينبل ويبعد صيته . وأنا أعرفك على هذا المذهب ، ولكنّي لا آمن أن تتوانى « 4 » فيه ، ممّا جرى عليك من ناس كثير من سوء المشورة ؛ فإن كثيرا من الناس يشيرون - إذا استشيروا - بغير ما يشاكل المشار عليه ، بل بما يشاكلهم ، وليس بما ينتفع به في الأمر الحادث ، ولكن بما يخصّهم نفعه في أنفسهم . وأنا أحب لك أن تقتدي برأي أسندوس حيث يقول : إن فعل الخير في الجملة أفضل من فعل الشّرّ ، ومن يستطيع أن يغلب الشّرّ بالخير دون الشّرّ ، فهي أشرف الغلبتين ؛ لأن الغلبة بالشر جلد « 5 » ، والغلبة بالخير فضيلة . واعلم أنّه قد أمكنك أن تودع
--> ( 1 ) السخيمة : الضغينة والحقد . ( 2 ) الخصاصة - بفتح الخاء المعجمة - : الفقر وسوء الحال والخلة والحاجة . ( 3 ) كذا في الأصل ، ويصح المعنى بأن تكون « ما » مصدرية . ( 4 ) رسم في الأصل « تتوانا » بالألف . ( 5 ) بفتح الجيم واللام ، أي قوة . وضبط في الأصل باسكان اللام ، وهو خطأ ، لأن « الجلد » هو القويّ . والمقصود هنا الوصف لا الموصوف .