الأمير أسامة بن منقذ
51
لباب الآداب
الناس من حسن أثرك ما ينشر ذكره في آفاق البلاد ، ويبقى على وجه الدهر - : فافترص « 1 » ذلك في أوانه . واعلم أنّ الذي يتعجّب منه الناس : الجزالة وكبر الهمّة ؛ والّذي يحبّون عليه : التواضع ولين الجانب . فاجمع الأمرين ، تستجمع محبّة الناس لك ، وتعجّبهم منك . ولا تمتنع أن تتكلّم بما يطيّب قلوب العامّة ؛ فإن الناس ينقادون للكلام أكثر من انقيادهم بالبطش . ولا تحسب « 2 » أن ذلك يضع من قدرك ، بل يزيده نبلا : أن تنطق بالخير إذ أنت على الشرّ قادر . واعلم أنّ التودّد من الضعيف يعدّ ملقا ، والتودّد من القويّ يعدّ تواضعا وكبر همّة ؛ فلا تمتنع أن تتودّد إلى العامّة لتحصل لك محبّتهم ، وتنال الطاعة منهم . واعلم أنّ الأيام تأتي على كلّ شيء فتخلق الأفعال ، وتمحو الآثار ، وتميت الذكر ، إلّا ما رسخ في قلوب الناس ، لمحبّة تتوارثها الأعقاب . فاجتهد أن نظفر بالذّكر الذي لا يموت ، بأن تودع قلوب الناس محبّة يبقى بها ذكر مناقبك ، وشرف مساعيك . ولا ينبغي للمدبّر أن يتخذ الرعية مالا وقنية « 3 » ، ولكن يتّخذهم أهلا وإخوانا . ولا ترغب في الكرامة التي تنالها من العامّة كرها ، ولكن التي تستحقّها بحسن الأثر وصواب التدبير » . قيل : بلغ بعض الملوك حسن سياسة ملك آخر ، فكتب إليه : « قد بلغت من حسن السياسة ما لم يبلغه ملك ، فأفدني : ما الذي بلّغكه ؟ » فكتب
--> ( 1 ) افترص الفرصة : اغتنمها . ( 2 ) يجوز فتح السين وكسرها ؛ والكسر أجود اللغتين . ( 3 ) القنية - بكسر القاف واسكان النون وفتح الياء - : مال يتخذه الرجل لنفسه لا للتجارة وفي الأصل « قينة » بتقديم الباء على النون ، وهو خطأ .