الأمير أسامة بن منقذ
110
لباب الآداب
يزيد بن مزيد « 1 » الشّيباني وهو يدور في برّيّة الرّقّة على شاطئ الفرات ، إذ طلع عليه أعرابيّ كلبيّ على ناقة له ، فلما صار غير بعيد عقل ناقته ، ثم أقبل يوجف « 2 » حتى وقف بين يدي يزيد ، فقال : السلام عليك أيّها الأمير ورحمة اللّه وبركاته ، قال : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته ، ما خطبك أيها الأعرابيّ ؟ قال : أصلح اللّه الأمير ، لم تسألني عن الخطب من قبل أن تسألني عن الاسم والنّسب والسّبب والبلد ؟ ! قال : يا أعرابيّ ، إذا سألتك عن ذلك ثم عرفتك ، فقد صارت المعرفة شافعة لك في حاجتك ، وأيم اللّه ما يحضرني شفيع هو أعزّ عليّ من ماء وجهك ، فما خطبك يا أعرابيّ ؟ قال : أصلح اللّه الأمير ، دين فادح . وفقر فاضح . قال : يا أعرابيّ ، وما بلغ * من دينك الفادح وفقرك الفاضح ؟ قال : أصلح اللّه الأمير ، الدّين الفادح : خمس مائة دينار ، أخذتها في سنين سغبة ، فوصلت بها الأرحام ، وأطعمت بها الطّعام ، ابتغاء الأجر ، واكتساب الشّكر ، حتى أجلتني عن البلد الرّحب ، وحملتني على المسلك الصّعب ، وأمّا الفقر الفاضح : فاغتراب وانفراد ، ووحدانية وعيال كثيرة من بنين وبنات وأخوات وأمّهات مصونات ، طالما صنتهنّ من الحرّ والقرّ ، فهدّمهنّ الدّهر ، وكشفهنّ الفقر ، بعد عزّ وامتناع ، وخدم وأتباع ، وظلف
--> ( 1 ) مزيد : بفتح الميم وإسكان الزاي ، كما ضبطه الذهبي في المشتبه ، وضبط في عيون الأخبار ( ج 1 ص 318 ) بكسر الميم ، وهو خطأ ، ويزيد هذا مشهور في كتب الأدب والتاريخ ، وقيلت فيه مرثية جيدة أولها : أحق إنه أودى بزيد * تبين أيها الناعي المشيد وهي في الأغاني ( ج 18 ص 116 - 117 ) وقد نسبها لأبي موسى التيمي ، ونسبها القالي في الأمالي ( ج 2 ص 84 - 85 ) لمسلم بن الوليد ، وحكى قولا آخر أنها للتيمى ، وهي موجودة في ديوان مسلم ابن الوليد ( ص 20 - 21 طبعة مصر ) ( 2 ) الوجف - باسكان الجيم - : سرعة السير ، وأوجف دابته : إذا حثها على الاسراع