الأمير أسامة بن منقذ
108
لباب الآداب
قال محمد بن سلّام : قيل لعبد العزيز بن مروان : المتوكّل الليثيّ « 1 » شاعر مصر بالباب ، فأذن له . فلما قام بين يديه أرتج عليه ، وكان عبد العزيز مهيبا ، فقال المتوكل : أصلح اللّه الأمير ، عظمت في عيني وملأت صدري ، فاختلس منّي ما كنت قلت . فنكس عبد العزيز ينكت بقضيبه الأرض . فقال المتوكل : أصلح اللّه الأمير ، حضرني بيتان ، قال : هاتهما ، فقال : في كفّه خيزران نشره عبق « 2 » * من كفّ أروع في في عرنينه شمم « 3 » يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلّم إلّا حين يبتسم فأمر له بمنديل فبسطه ، ثم دعا بأربعة آلاف « 4 » درهم فألقاها فيه ، ودعا بعبدين ، وقال : اختر أيّهما شئت ، فقال : هذا وسيم جسيم وبه عوار « 5 » ، وهذا أحبّ إلينا منه ، قال : فعلينا تردّ العوار ؟ ! خذهما جميعا والمنديل بما فيه . قلت : سمعت في هذين البيتين ، وأنهما من جملة أبيات للفرزدق بن غالب « 6 » .
--> ( 1 ) هو المتوكل بن عبد اللّه بن نهشل ، ويكنى « أبا جهمة » وهو من شعراء الاسلام من أهل الكوفة ، كان في عصر معاوية وابنه يزيد ومدحهما ، وله ترجمة في الأغاني ( ج 11 ص 37 - 41 ) ( 2 ) النشر - باسكان الشين - : الريح الطيبة . والعبق - بكسر الباء - اللاصق . وفي رواية لسان العرب ( ج 5 ص 320 ) ريحه عبق » وكذلك رواية الأغاني ( ج 14 ص 74 ) وفي رواية عيون الأخبار ( ج 1 ص 294 ) « ريخها عبق » وكذلك رواية الأغاني ( ج 14 ص 75 ) ( 3 ) الأروع : الرجل الكريم ذو الجسم والجهارة والفضل والسؤدد ، وقيل : هو الجميل الذي يروعك حسنه ويعجبك إذا رأيته . والعرنين : الانف . ( 4 ) في الأصل « ألف » ( 5 ) العوار - بفتح العين - : العيب ( 6 ) البيت الأول نسبه في اللسان ( ج 5 ص 320 ) للفرزدق في مدح زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام ، وكذلك اشتهر هذان البيتان عند الأدباء ضمن قصيدة الفرزدق . وقد ذكرهما ابن قتيبة في عيون الأخبار ( ج 1 ص 294 ) ولم ينسبهما لاحد . وقد ذكر في الأغاني ( ج 14 ص 74 - 76 ) مثل هذه القصة التي هنا بين الحزين الكناني الشاعر وبين عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان ، ونسب فيها البيتين للحزين ، ثم قال : « والناس يروون هذين البيتين للفرزدق في ابياته التي يمدح بها علي بن الحسين بن [ علي بن ] أبي طالب عليه السلام التي أولها : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم وهو غلط ممن رواه ، وليس هذا البيتان مما يمدح به مثل علي بن الحسين عليهما السلام ، وله من الفضل المتعالم ما ليس لأحد » .