الأمير أسامة بن منقذ

86

لباب الآداب

وانصرف ، فأتى بجزور فعقرها ، فقلنا : رحمك اللّه ما تريد إلى هذا ؟ ! قال : كلوا رحمكم اللّه طريّا ، فإنّا لا نطعم الضّيف غابّا « 1 » . قال عبد اللّه رحمه اللّه : فدعوت بثوب فجعلت فيه زعفرانا وصررت في طرف منه مائة دينار ، ثم بعثت به إلى أهله ، فقالوا : إنّا لا نقدر على أخذه إلّا بإذنه ، فسألته أن يقبله منّى ، فأبى ، فلمّا ارتحلنا وودّعته أمرت فألقي الثوب بين البيوت ، ومضينا . فإنّا لنسير إذ لحقنا على فرس مشرعا رمحه « 2 » ، قد احمرّت عيناه ، والثوب بين يديه ، فصاح بنا : أغنوا عنّي هذا « 3 » ، ونبذه إلينا ، وولّى وهو يقول : وإذا أخذت ثواب ما أعطيته * فكفى « 4 » بذاك لنائلي تكديرا عن محمد بن سلّام « 5 » قال : أخبرني أبان بن عثمان قال : أراد رجل أن يضارّ عبيد اللّه بن العباس - رضى اللّه عنهما - فأتى وجوه قريش ، فقال : يقول لكم عبيد اللّه : تغدّوا عندي اليوم . فأتوه فملئت عليه الدار ، فقال : ما هذا ؟ ! فأخبر بما صنع الرجل ، وعرف ما أراد . فأمر بالباب فأغلق ، وأرسل إلى السّوق فجيء بالفاكهة ، وأرسل قوما فذبحوا وخبزوا وشووا ، فلم ينقض أكلهم الفاكهة حتى جاء الطعام ، وكان فيما أتاهم من الفاكهة الاترجّ والعسل ، قال : فأكل القوم حتى صدروا ، فقال عبيد اللّه لو كلائه : أموجود هذا كلّما أردت ؟ قالوا : نعم ، قال : فليتغدّ عندنا هؤلاء « 6 » في كلّ يوم .

--> ( 1 ) الغاب - بتشديد الباء - : اللحم البائت ، يقال : « غب الطعام والتمر فهو غاب » : بات ليلة ، فسد أو لم يفسد ، وخص بعضهم به اللحم . ( 2 ) اشرع الرمح : سدده ( 3 ) أي : اصرفوها عنى وكفوها ، يقال : « أغن عنى شرك » على هذا المعنى ( 4 ) كتب في الأصل « فكفا » ( 5 ) لم أعرف « محمد بن سلام » هذا ( 6 ) رسمت في الأصل « هاولاي » ووضع على الواو فتحة ، وهو خطأ غريب .