المحقق البحراني

292

الكشكول

أقررت له بطوعيتهما للإسلام احتج أن بدء النفاق ونشوة في القلب لا يكون إلا عن هبوب روائح القهر والغلبة وإظهار البأس الشديد في حمل المرء على ما ليس ينقاد له قلبه نحو قوله عز وجل : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا وإن قلت أسلما كرها كان يقصدني بالطعن إذ لم يكن ثمة سيوف منتضاة كانت تريهما البأس . قال سعد : فصدرت عنه من ورد قد انتفخت أحشائي من الغضب وتقطع كبدي من الكرب وقد كنت اتخذت طومارا وأثبت فيه نيفا وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا على أن اسأل فيها خير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمد ، فارتحلت خلفه وكان قد خرج قاصدا نحو مولانا بسر من رأى فلحقته في بعض المنازل فلما تصافحنا قال : بخير لحاقك بي ؟ قلت : الشوق ثم العادة في الأسئلة . قال : قد تكافينا على هذه اللحظة الواحدة فقد برح بي الشوق إلى لقاء مولانا أبي محمد عليه السّلام وأريد أن اسأله عن معاضل في التأويل ومشاكل من التنزيل فدونكهما الصحبة المباركة فإنها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه وهو امامنا ، فوردنا سر من رأى فانتهينا منها إلى باب سيدنا عليه السّلام فاستأذنا فخرج إلينا الأذن بالدخول عليه ، وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطاه بكساء طبري فيه مائة وستون صرة من الدنانير والدراهم على كل صرة منها ختم صاحبها . قال سعد : فما شبهت وجه مولانا أبي محمد عليه السّلام حين غشينا نور وجهه إلا بدر قد استوفي من لياليه أربعة بعد عشرة وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والنظر على رأسه فرق وفرتين كأنه ألف بين واوين وبين يدي مولانا رمانة ذهبية تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركبة عليها قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة وبيده قلم إذا أراد أن يكتب به على البياض قبض الغلام على أصابعه فكان مولانا عليه السّلام خرج الرمانة بين يديه ويغله بردها كيلا يصده عن كتبه ما أراد ، فسلمنا عليه فألطف في الجواب فأومأ إلينا بالجلوس ، فلما فرغ من كتبه البياض الذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طي كسائه فوضعه بين يديه فنظر العسكري عليه السّلام إلى الغلام وقال : يا بني فض الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك فقال : يا مولاي لا يجوز أن أمد يدا طاهرة إلى هدايا نجسة وأموالا رجسة قد شيب أحلها بأحرمها . فقال مولاي عليه السّلام : يا بن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميز بين الحلال والحرام منها ، فأول صرة بدأ أحمد باخراجها فقال الغلام : هذا لفلان بن فلان من محل كذا بقم تشتمل على اثنين