المحقق البحراني
259
الكشكول
ولقد أخبرني من ألفت به من إخوانك من له فيك نية حسنة إنه رآك وقد بكيت يوما فسألك هو ومن حضر عن بكائك ؟ فقلت : مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي الساعة بدليل لاح لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي فبكيت وقلت : لعل الذي لاح أيضا أن يكون مثل الأول . فهذا قولك ومن المحال على الواقف بمرتبة العقل والفكر أن يسكن أو يستريح ولا سيما في معرفة اللّه تعالى فمالك يا أخي تبقى في ورطة ولا تدخل طريق الرياضات والمكاشفات والمجاهدات والخلوات التي شرعها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم فتنال ما نال من قال فيه سبحانه : عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ومثلك من يتعرض لهذه الحطة الشريفة والمرتبة العظيمة الرفيعة . وليعلم وليي وفقه اللّه تعالى أن كل موجود عند سبب ذلك محدث مثله فإن له وجهين وجه ينظر به إلى سببه ووجه ينظر إلى موجده وهو اللّه تعالى فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم بآراء الحكماء والفلاسفة كلهم وغيرهم إلا المحققين من أهل اللّه كالأنبياء والأولياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام ، فإنهم مع معرفتهم بالسبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم ، ومنهم من نظر إلى ربه من وجه سببه لا من وجهه فقال : حدثني قلبي عن ربي وقال الآخر وهو الكامل حدثني ربي ، ومن كان وجوده مستفادا من غيره فإن حكمه عندنا حكم لا شيء ، فليس للعارف معول إلا اللّه سبحانه البتة . واعلم أن الوجه الإلهي الذي هو اللّه اسم لجميع الأسماء مثل الرب والقدير والشكور وجميعها كالذات الجامعة لما فيها من الذات ، فاسم اللّه مستغرق جميع الأسماء فتحفظ عند المشاهدة وانظر أي اسم من الأسماء الإلهية ينظر إليها فذلك الاسم هو الذي خاطبك أو شاهدته فهو المعبر عنه بالتحول في الصورة كالغريق إذا قال : يا اللّه فمعناه يا غياثا ويا منجي أو يا منقذ ، وصاحب الألم إذا قال : يا اللّه فمعناه يا شافي أو يا معافي أو ما أشبه ذلك ، وقولي لك : « التحول في الصورة » ما رواه مسلم في صحيحه أن الباري تعالى يتجلى فينكر ويتعوذ منه فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها فيقرون بعد الإنكار ، وهذا هو معنى المشاهدة هنا والمناجاة والمخاطبات الربانية . وينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم إلا ما يكمل به ذاته وينتقل معه حيث انتقل وليس ذلك إلا العلم باللّه تعالى ، وقد علمك بالطب إنما يحتاج إليه في عالم الأمراض والأسقام فإذا انتقلت إلى عالم ليس فيه السقم ولا المرض فمن يداوي