المحقق البحراني
258
الكشكول
محيي الدين بن عربي حشره اللّه تعالى مع أحبته إلى الإمام فخر الدين الرازي : بسم اللّه الرحمن الرحيم . الحمد للّه وسلام عباده الذين اصطفى اللّه وعلي ولي في اللّه فخر الدين محمد أعلى اللّه همته وأفاض عليه بركاته ورحمته . وبعد : فإن اللّه تعالى يقول : وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وقد وقعت على بعض تآليف وما أيدك اللّه من القوة النحيلة والفكر الجيد ومتى نفدت النفس كسب يديها فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب وتكون ممن أكل من تحته والرجل من يأكل من فوقه كما قال اللّه تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ . وليعلم وليي وفقه اللّه تعالى أن الموارثة الكاملة وهي التي تكون من أكمل الوجوه لا من بعضها والعلماء ورثة الأنبياء ، فينبغي للعالم العاقل أن يجتهد لأن يكون وارثا من كل الوجوه ولا يكون ناقص الهمة ، وقد علم وليي وفقه اللّه تعالى أن أحسن الطبيعة الإنسانية إنما تحمله من المعارف الإلهية وقبحها بضد ذلك . فينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها فيفوته حظه من ربه . وينبغي له أيضا أن يسرح نفسه في سلطان فكره ، فإن الفكر يعلم مأخذه والحق المطلوب ليس ذلك ، والعلم باللّه خلاف العلم بوجود اللّه فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه من الفكر إذا أراد معرفة اللّه من حيث المشاهدة . وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون تلقيه عند هذا من عالم الخيال وهي الأنوار المتحدة الدالة على معان ، فإن الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن والقرآن في صورة الجبل والدين في صورة القبة . وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون معلمه موثنا كما لا ينبغي أن يأخذ من فقير أصلا ، وكل ما لا كمال له إلا بغيره فهو فقير وهذا حال كلما سوى اللّه تعالى بأرفع الهمة في أن لا تأخذ علما إلا من اللّه تعالى على الكشف واليقين . واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيه غاية القصوى إذا هم فكرهم إلى حال المقلد المصمم فإن الأمر أجل وأعظم من أن يقف فيه الفكر فما دام الفكر موجودا فمن للحالي أن يطمئن القلب ويسكن ، وللعقول حد يقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري ولها صفة القبول لما يهبه اللّه تعالى فإذا ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود ولا يبقى مأسورا في قيد نظره وكسبه فإنه على شبهة في ذلك ،