المحقق البحراني

327

الكشكول

ذكر بعد الفصيل معنى الروح ما هذه عبارته : فقال بعض من تكلم على هذا الحديث أنه على حذف المضاف فالتقدير ذوو الأرواح وهذا قريب المأخذ ، وعند جماعة من محققي أصحاب الأصول أنه يجوز عقلا أن يكون إذا استشهد اللّه الشهيد أو توفي النبي أو الصالح من بني آدم ينتزع من جسده أجزاء بقدر ما تحل الحياة التي كانت الجملة بها حية فيها فيردها إلى تلك الأجزاء ليصير حيا وإن كانت جثة صغيرة فيرفعها إلى حيث شاء فإنه لا اعتبار في الحي بالجثة ، وظاهر الكتاب يشهد بصحة ذلك حيث يقول تعالى : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) إلى قوله تعالى : ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وفي الحديث : « أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تلهف من ورق الجنة ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش » وهذا الحديث أيضا مما يعضد هذه المقالة ، فعلى هذا تتعارف هذه الأجساد اللطيفة بعد موت صاحبها كما كانت في دار الدنيا يعرف بعضها بعضا فيأتلف وبالعكس . وروت عائشة في هذا الحديث أن مخنثا قدم المدينة فنزل على مخنث من غير أن يعلم أنه مخنث فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال : الأرواح جنود مجندة . يقول ناظم هذه الدرر ومطرز هذه الحبر : لا يخفى عليك ما في كلام هذا الفاضل ، وأعجب من ذلك نقل شيخنا المشار إليه ذلك وعدم تعرضه لما فيه من مخالفة الأخبار الواردة عن العترة الأبرار ، حيث أنه استند فيما ادعاه من تفسير الخير المذكور إلى مجرد هذا التجويز العقلي وادعى تأييده بظاهر الكتاب وتمحل له بجواز انتزاع أجزاء من جسده الأصلي لتسكن فيه الروح بعد مفارقة البدن الأصلي ، وليت شعري كأنه لم يقف على شيء من أخبار أهل البيت عليهم السّلام الواردة في هذا المقام فإنها صريحة الدلالة في أن الأرواح بعد مفارقة الأجسام العنصرية تتعلق بأشباح مثالية يخلفها اللّه تعالى بقدرته تشابه تلك الأبدان ، بحيث لو رأيته لقلت فلان وأنهم يجلسون حلقا حلقا يتحدثون ويأكلون وأنهم في ظهر الكوفة الموسوم بوادي السلام وهو بقعة من جنات عدن ، هذا إن كانوا مؤمنين والكفار في بئر برهوت وهو في واد حضرموت . فمن الأخبار الواردة في ذلك ما رواه في الكافي بسنده عن حبة العرني قال : خرجت مع أمير المؤمنين عليه السّلام إلى ظهر الكوفة فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لأقوام فقمت بقيامه حتى أعييت ثم جلست حتى مللت ثم قمت حتى نالني أولا ثم جلست حتى مللت ثم قمت وجمعت ردائي فقلت : يا أمير المؤمنين