المحقق البحراني

328

الكشكول

إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة ثم طرحت الرداء ليجلس عليه فقال لي : يا حبة إن هي إلا محادثة مؤمن أو مؤمنة : قال قلت : يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك ؟ قال : نعم ولو كشف ذلك لرأيتهم حلقا حلقا يتحدثون . فقلت : أجسام أو أرواح ، فقال : أرواح ، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه الحقي بوادي السلام وإنها بقعة من بقاع جنة عدن . وروى الشيخ في التهذيب عن مروان بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قلت له إن أخي ببغداد وأخاف أن يموت بها . فقال : ما تبالي حيث ما مات أما أنه لا يبقى من شرق الأرض وغربها إلا حشر اللّه روحه إلى دار السلام . قلت له : وأين وادي السلام ؟ قال : ظهر الكوفة ، أما كأني بهم حلقا حلقا يتحدثون - إلى غير ذلك من الأخبار . والظاهر أن بناء كلام هذا الفاضل على مذهب من قال إن الإنسان عبارة عن هذه الجملة المشاهدة وإن الروح هي النفس المتردد في مخارق الحيوان وهو أجزاء الحيوان ، كما نقله جماعة من أصحابنا منهم أمين الإسلام الطبرسي قدس اللّه سره في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى : ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) فإنه على تقدير هذا القول لا يتم إثبات الحياة في عالم البرزخ إلا بما ذكره هذا الفاضل ، ولكن الأخبار كما عرفت ترده . ويؤيد القول بأن الإنسان في الحقيقة إنما هو عبارة عن تلك النفس الناطقة والجواهر المجردة ، وهي المستعدة للبيان وفهم الخطاب وهي محل الثواب والعقاب المسماة بالروح في قوله تعالى : ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) وقد تحير في حقيقتها فحول العلماء وتاهت فيها آراء الفضلاء ، والذي عليه المحققون إنها جوهر مجرد خارجة عن البدن غير داخلة فيه بالجزئية والحلول بل هي بريئة عن الصفات الجسمية منزه عن العوارض المادية متعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصرف فقط كتعلق الهواء بالسفينة . قال الشيخ البهائي قدس اللّه سره : وهذا القول هو مختار أعاظم العلماء الإلهيين وأكابر المتصوفين والإشراقيين وعليه استقر رأي أكثر المتكلمين من الإمامية كالشيخ المفيد وابن نوبخت والمحقق نصير الدين الطوسي والعلامة جمال الدين الحلي ومن الأشاعرة الراغب الأصفهاني وأبو حامد الغزالي والفخر الرازي ، وهو المذهب المنصور الذي أشارت إليه الكتب السماوية وانطوت عليه الأنباء النبوية وعضدته الدلائل العقلية وأيدته الإمارات الحدسية والمكاشفات الذوقية - انتهى كلامه زيد مقامه .