المحقق البحراني

274

الكشكول

فمنعه الراحة والرقاد ، فافتكر فيما يزيل عنه الهم والسهد ويجلب له النوم والفرح فدار في مواضع حتى دخل على بعض سرائره فوجدها نائمة وجواريها يضربن المعازف عند رأسها ، فلما دخل الخليفة انصرفن من حولها فكشف عن وجهها وقبل موضع خال في خدها ، فانتبهت وهي فزعة فقالت : من هذا ؟ فقال ضيف فقالت : نكرم الضيف بسمعي والبصر فلما أصبح استدعى بأبي نؤاس فقال أبو نؤاس قل للخليفة ثيابي مرهونة عند الخمار على ستمائة دينار إن استفكها إلي لبستها وجئت إليه فالتزم الرشيد بذلك القدر فجاء وقال : أريد منك أن تنظم لي شعرا آخره « نكرم الضيف بسمعي والبصر » فقال في الحال : طال ليلي ثم عادني السهر * ثم فكرت وأحسنت النظر جئت أمشي في زويات الحما * ثم طورا في مقاصير الحجر إذ بوجه مقمر قد لاح لي * زانه الرحمن من بين البشر ثم أقبلت إليه مسرعا * ثم طأطأت وقبلت الأثر فاستفاقت فزعا قائلة * يا أمين اللّه ما هذا الخبر قلت ضيف طارق في داركم * هل تضيفوه إلى وقت السحر فأجابت بسرور سيدي * نكرم الضيف بسمعي والبصر فقال هارون : يا فاعل يا تارك كنت البارحة معنا تحت السرير تسمع كلامنا أضربوا عنقه فحلف أبو نؤاس ما هذا كان مني وشفعوا فيه فقال : إن كنت صادقا فقل شعرا في شيء أنا أبصره هذا الساعة . وكانت جارية واقفة قبالة الرشيد تضرب سترا في أصل سدرتين لابسة في أحد كفيها خاتمين وهي في مكان لا يراها أبو نؤاس ولا أحد من الناس غير الرشيد فقال في الحال : نظرت عيني لحيني * واشتكى وجدي لبيني تحت ظل السدرتين * شبحا مثل اللجين يضرب السدر بكف * وبأخرى خاتمين فقال : أنت تبصرها يا فاعل يا تارك فاقتلوه فحلف أبو نؤاس إن لم يبصر شيئا وشفع فيه فلم يقبل الخليفة ، فقالت جارية بالقرب من الرشيد لا ينظرها غيره ولا يبلغ كلامها إلى أحد سواه باللّه يا سيدي خله عنا فأشار إليها الرشيد أن لا أخليه حتى تمشي إلي عريانة فخلعت ثيابها ومشت حتى جاءته فخلى عنه وعفا فلما صار أبو نؤاس عند الباب قال : أي واللّه يا سيدي :