المحقق البحراني
192
الكشكول
خارجان من آفاق الصدق وبازغان من مطالع الحق يمكن رفع التنافي في المفهوم من ظاهرهما أن عيسى حيث كان باقيا بنشأته الصورية في عالم الأفلاك إلى آخر الزمان كانت الوصية الصادرة من عيسى عليه السّلام إلى شمعون عند خروجه بقالبه الصوري إلى السماء وسؤاله من ربه أن يحيي له يحيى بعد وصية شمعون إليه وشهادته على يد الأشقياء ، ولا محذور في ذلك بل لولا ذلك لوقع التنافي في الحديث الثاني بعضه ببعض كما يظهر لك أخيرا . فإن قيل : هذا الكلام يخالف الظاهر في الحديث الثاني أن عيسى بن مريم عليه السّلام جاء إلى قبر يحيى بن زكريا عليه السّلام لأن الظاهر من ذلك أن وقوع ذلك اليوم إذ كان عيسى في العالم العنصري قبل عروجه للعالم الفلكي . فالجواب أن عروجه إلى العالم الفلكي غير مانع من ذلك ، فإن المفهوم من الروايات أنه يزور قبور الأنبياء والأئمة عليهم السّلام والاستحالة في ذلك إذ مجيئه عليه السّلام لقبور شركائه في النبوة والولاية أقرب مدركا من الحكم بمجيء الأرواح المفارقة لأجسامها في هذه النشأة مع ثبوت ذلك بالروايات الصحيحة الصريحة على أن الظاهر من الحديث أن المجيء إلى القبر مجيء روحاني أو مثالي لا صوري وكذا إجابة يحيى وخروجه من القبر إليه ، إذ لو كان محمولا على هذه النشأة العنصرية والحياة الفانية لم يكن الاستعفاء ويجيء من العود المتعلق بالقلب الصوري وجه يركن إليه ، ولم يفعله لتعليقه عدم قبول إلى التعلق الجسماني بالخوف من حرارة الموت محل يعتمد عليه ، لأن حمله على ظاهره يستدعي وقوع التعلق الجسماني وحصول المغايرة التي كانت موجودة قبل الموت ، فكيف يتحقق الاستعفاء مما وقع أم كيف يعلل طلب الاستعفاء بالخوف من لحوق حرارة الموت الذي لا بدّ من وقوعه حينئذ على تقدير عوده إلى حالته التي كان عليها من المفارقة الواقعة قبل طلب عيسى عليه السّلام ، فعلمنا من ذلك كله أن سؤال عيسى عليه السّلام وإجابة يحيى وخروجه كل ذلك إما في عالم الأرواح أو عالم المثال ، وحينئذ فلا يتحقق التنافي بين الحديثين . وهذا ما وعدنا به سابقا من قولنا كما يظهر لك أخيرا واللّه أعلم بالصواب ، وفي الحديثين طول لا يسع المقام ذكره والسلام عليكم . والمأمول من الألطاف الأحمدية دامت فيوضاتها أن يجري العبد الكاتب دائما على صفحات باله الشريف وخياله المقدس المنيف ، خصوصا عند ظهور لوامع إشراقاته وتأرج نفحات أنفاسه كتب المحب أقل العباد عملا وعلما أحمد بن عبد السلام البحراني . يقول ناظم هذه الدرر ومطرز هذه الخبر : وهذا الشيخ النجيب ( ره ) كان من