المحقق البحراني

48

الكشكول

وقال ابن أبي الحديد : كان عليه السّلام شديد السياسة خشنا في ذات اللّه لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولّاه إياه ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به واحرق قوما بالنار وقطع جماعة وصلب آخرين ، ولم يبلغ كل سائس في الدنيا في فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مما فعل عليه السّلام في حروبه بيده وأعوانه - انتهى . ويحتمل ان يكون وجه التشبيه له بالممسوس ما كان يعتريه عليه السّلام من الغشية والهزة لخشية اللّه تعالى عند اشتغال سره بملاحظة جلال اللّه ومراقبة عظمته سبحانه كما تضمنه حديث أبي الدرداء الذي حكى فيه شدة عبادته عليه السّلام حتى قال : فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك فأتيت منزله مبادرا أنعاه ، فقالت فاطمة عليها السّلام : ما كان من شأنه فأخبرتها فقالت : هي واللّه الغشية التي تأخذه من خشية اللّه . وعن زين العابدين عليه السّلام لما نزلت الآيات الخمس في ( طس ) أم من جعل الأرض قرارا انتفض علي انتفاض العصفور ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ما بالك يا علي ؟ قال : عجبت يا رسول اللّه من كفرهم وحلم اللّه تعالى عنهم - الحديث . واللّه أعلم بمقاصد أنبيائه . رجع : وبالسند المتقدم ان عليّا عليه السّلام قال : « كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سر قلّما عثر عليه » توضيح : ما المتصلة بقلّ زائدة كافة للفعل عن عمل الرفع وطلب الفاعلية عند الجمهور ، ولا تتصل إلا بقلّ أو كثر أو طال . وزعم بعضهم أنها في ذاك مصدرية لا كافة وهي وصلتها فاعل قل أي قل عثور عليه . وعلى كل تقدير فلقل حين اتصال ما بها استعمالان : ( أحدهما ) استعمالها بمعنى النفي لأن القليل أقرب شيء إلى النفي فيقوم مقامه وهو الأكثر ، ومنه قول الشاعر : قلّما يبرح اللبيب إلى ما * يورث المجد داعيا ومجيبا أي لا يبرح العاقل على أحد هاتين الحالتين إما داعيا إلى ما يورث المجد أو مجيبا لما يدعو اليه . ( والثاني ) استعمالها بمعنى التقليل حقيقة ، فتدل على وجود الشيء نزرا لا على نفيه وهذا هو الأصل فيها . إذا عرفت ذلك فالظاهر أن المراد هنا المعنى الثاني لا الأول إذ كان مفاد اخباره بهذا السر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اطلاعه هو عليه دون غيره وإلا فلكل أحد سره قلما عثرنا عليه ، ولولا اطلاعه عليه لما علم ولا أخبر بأن له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سرّا بهذه المثابة ، وفائدة الأخبار بذلك تحدثه بما أنعم اللّه عليه به من اختصاصه برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واطلاعه على سره دون غيره مضافا إلى سائر خصائصه الشريفة التي كانت له من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وتنكير المسند إليه من قوله : « سر » إما للنوعية أي من نوع السر غير ما يتعارفه الناس ، أو للتعظيم أي سر عظيم