المحقق البحراني

20

الكشكول

أولى منك من نفسك ، فقد ركبت عظيما بولايتك دونه وجلوسك في موضعه ، وتسميتك باسمه ، وكأنك بالقليل من دنياك وقد انقشع عنك كما ينقشع السحاب ، وتعلم أي الفريقين شر مكانا وأضعف جندا . وأما تعييرك إياي بأنه مولاي فهو - واللّه - مولاي ومولاك ومولى المؤمنين أجمعين ، آه آه لي بثبات قدم أو تمكن وطأة حتى الفظك لفظ المنجنيق الحجر ، ولعل ذلك يكون قريبا ، ويكتفي بالعيان عن الخبر ، ثم قام ونفض أثوابه ومضى . وندم أبو بكر عما أسرع إليه من القول إلى قيس ، وجعل خالد يدور في المدينة والقطب في عنقه أياما . ثم إني آت إلى أبي بكر ، فقال له : قد وافى علي بن أبي طالب الساعة من سفره ، وقد عرق جبينه واحمر وجهه : فأنفذ إليه أبو بكر الأقرع بن سراقة الباهلي والأشوس بن الأشجع الثقفي يسألانه المضي إلى أبي بكر في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأتياه وقالا له : يا أبا الحسن إن أبا بكر يدعوك لأمر قد أحزنه وهو يسألك أن تصير إليه في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلم يجبهما فقالا : يا أبا الحسن ما ترد علينا فيما جئناك له ؟ فقال : بئس - واللّه - الأدب أدبكم أليس يجب على القادم أن لا يصير إلى الناس في إجابتهم إلا بعد دخوله منزله ، فإن كان لكم حاجة فاطلعوني عليها في منزلي حتى أقضيها إن كانت ممكنة إن شاء اللّه تعالى ، فصارا إلى أبي بكر فاعلماه بذلك ، فقال أبو بكر : قوموا بنا إليه . ومضى الجميع بأسرهم إلى منزله فوجدوا الحسين عليه السّلام على الباب يقلب سيفا ليبتاعه ، فقال له أبو بكر : يا أبا عبد اللّه إن رأيت أن تستأذن لنا على أبيك ، قال : نعم . ثم استأذن للجماعة ، فدخلوا ، ومعهم خالد بن الوليد فبدا به الجمع بالسلام ، فرد عليهم مثل ذلك فلما نظر إلى خالد قال : نعمت صباحا يا أبا سليمان نعم القلادة قلادتك ، فقال - واللّه - يا علي لا نجوت مني إن ساعدني الأجل ، فقال له علي عليه السّلام : أف لك يا ابن دميمة إنك - ومن فلق الحبة وبرأ النسمة - عندي لأهون ، وما روحك في يدي لو أشاء إلا كذبابة وقعت على ادام حار ، فطفقت منه ، فاغن عن نفسك غناها ، ودعنا حكماء علماء ، وإلا لألحقنك بمن أنت أحق بالقتل منه ، ودع عنك يا أبا سليمان ما قد مضى . وخذ فيما بقي ، واللّه ما تجرعت من الجرار المختمة إلا علقمها واللّه لقد رأيت منيتي ومنيتك ، وروحي وروحك ، فروحي في الجنة وروحك في النار . قال : وحجز الجميع بينهما وسألوه قطع الكلام ، فقال أبو بكر لعلي عليه السّلام : إنّا ما جئناك لما تفاوض فيه ، وإنما حضرنا لغيره وأنت لم تزل يا أبا الحسن مقيما