المحقق البحراني

187

الكشكول

أجلت لذهابك ستا ولمجيئك ستا ولاقامتك يوما واحدا فهمت ؟ قال : نعم ، قال : فسر على بركة اللّه . فخرجت أطوي المنازل ليلا ونهارا لا أنزل إلا للصلاة ولقضاء حاجتي حتى وصلت الليلة السابعة باب دمشق ، فلما فتح الباب دخلت قاصدا نحو دار الأموي فإذا هي دار عظيمة هائلة وخدم وحشم ونعمة ظاهرة وحشمة وافرة ومصاطب متسعة وغلمان فيها فتهجمت الدار بغير اذن فبهتوا وسألوا عني فقيل : هذا رسول أمير المؤمنين ، فلما صرت في وسط الدار رأيت أقواما محتشمين ظننت أن المطلوب فيهم ، فسألت عنه فقيل لي : انه في الحمام ، فأكرموني واجلسوني وأمروا بمن كان معي ومن صحبني إلى مكان آخر وأنا اتفقد الدار وأتأمّل الأحوال ، حتى إذا أقبل الرجل من الحمام ومعه جماعة كثيرة من كهول وشبان وجند وغلمان فسلم خفيا وسألني عن أمير المؤمنين ، فأخبرته أنه بعافية فحمد اللّه تعالى ثم حضرت له اطباق الفاكهة فقال : تقدم يا منارة فتألمت ألما شديدا إذ لم يكنّني فقلت : ما آكل ، فلم يعاودني ورأيت ما لم أره إلا في الخليفة ، ثم قدم الطعام فو اللّه ما رأيت أحسن ترتيبا ولا أعطر رائحة ولا أكثر منه ، فقال : تقدم يا منارة فكل ، فقلت : ليس لي به حاجة فلم يعاود ، ونظرت إلى أصحابي فلم أجد أحدا منهم عندي فجزعت لكثرة حفدته وعدم ما عندي فلما أتمّ أكله غسل يده واحضر له البخور فتبخر ثم قام فصلى الظهر فأكثر من الركوع والسجود . فلما فرغ استقبلني وقال : ما أقدمك يا منارة ؟ فناولته كتاب أمير المؤمنين فقبله ووضعه على رأسه ثم فضه وقرأه فلما فرغ استدعى جميع بنيه وخواصه وسائر غلمانه فضاقت الدار بهم على سعتها فطار عقلي وما شككت إلا أنه يريد القبض علي فقال : الطلاق يلزمه والحج والعتق والصدقة وسائر ايمانه البقية لا يجتمع منكم اثنان في مكان واحد حتى ينكشف أمره ، ثم أوصاهم على الحريم واستقبلني وقدم رجليه وقال : هات اقيادك يا منارة ، فدعوت الحداد فقيده وحمل حتى وضع في المحمل وركبت معه في المحمل وسرنا ، فلما وصلنا ظاهر دمشق ابتدأ يحدثني بانبساط ويقول : هذه الضيعة لي تعمل في كل سنة بكذا وكذا وهذا البستان لي وفيه من غرائب الأشجار وطيب الأثمار كذا وكذا وهذه المزارع يحصل لي فيها كل سنة كذا وكذا ، فقلت : يا هذا الست تعلم أن أمير المؤمنين أهمه ذلك حتى انفذني خلفك وهو بالكوفة ينتظرك وأنت ذاهب إليه ما تدري ما ذا تقدم عليه وقد أخرجتك من منزلك وأهلك ونعمتك فريدا وحيدا وأنت تحدثني حديثا غير مفيد ولا نافع لك ولا سألتك عنه وكان شغلك بنفسك أولى لك ؟ فقال : انا للّه وانا إليه راجعون لقد أخطأت فراستي فيك يا منارة ما ظننت انك عند الخليفة بهذه المكانة وأنت إذا