المحقق البحراني

167

الكشكول

إلى ذلك المكان فدخلت في الزنبيل فقالت : ضيفنا ؟ قلت : نعم وما أظن قد ثقلت قالت : مادح نفسه يقرئك السلام ، فقلت : هفوة فمنّي بالصفح ، قالت : فعلنا ولا تعد ، فلما كان عند الصباح صنعت صنيعها البارحة وخرجت إلى داري . فلما كان الليلة الثالثة رجعت على عادتي فوضعت نفسي في الزنبيل ووصلت إليها قالت : نعم أي واللّه ، قالت : جعلتها دار تمام ، قلت : الضيافة ثلاثة أيام فإن رجعت فأنت في حل من دمي ، فلما قرب من ذلك الوقت تفكرت في أمر المأمون وعلمت أنه لا يخلصني منه إلا أن أخبره الخبر وعلمت أنه من شغفه بالنساء سيطالبني بالمشي إليها ، فقلت لها : جعلت فداك أتأذنين لي في ذكر شيء حضر ؟ قالت : قد أذنت لك ، قلت : أراك ممن تحب الغناء وتعجب بالآلات ولي ابن عم هو من أهل الحسن والأدب وبالغناء هو أعرف خلق اللّه تعالى سيما بغناء إسحاق الذي أسمعك تثنين عليه وكانت إذا غنت تقول : هذا لإسحاق ؟ قالت : طفيلي وتقترح ! قلت : إنما ذكرت لك وأنت المحكمة ، قالت : فإن كان كما ذكرت فما أنكره ، قلت : فالليلة ؟ قالت : نعم . ثم انصرفت على عادتها وانصرفت على عادتي فما وصلت داري حتى أتاني رسول المأمون فمشيت إليه فإذا هو على حنق فقال : يا أبا إسحاق آمرك بشيء لا تقف عنده ، وكان يدخل حرمه ويأمرني بانتظاره فأتذكر مجالسة تلك الجارية فأنسى عقوبته . قلت : لي قصة أحتاج فيها إلى خلوة فأومى إلى من كان واقفا فتنحّى . قلت : كان من خبري كيت وكيت ، فلما فرغت من كلامي قال : أتدري ما تقول ؟ قلت : نعم ، قال : كيف لي بمشاهدة ذلك الموضع ؟ قلت : قد علمت أنك تطالبني بهذا وقد قلت لي ابن عم من صفته وحديثه كيت وكيت ثم جلسنا على عادتنا نشرب وهو يسليني عن حديثها حتى جاء الليل فسرنا جميعا إلى الموضع وقلت له : دعني من نخوة الملوك والخلافة وكن كأنك تبعا لي قال : نعم ، فلما وصلنا ذلك الموضع ألفينا زنبيلين فدخل في واحد ودخلت في الآخر فلما صرنا في البيت جلست أنا في صدره وجلس هو تحتي فلما أتت قالت : حيا اللّه أضيافنا بالسلام ، ثم رفعت مجلسه وقالت : هذا ضيف وأنت من أهل البيت ولكل جديد لذة ، وقعد المأمون في صدر المجلس وأقبلت عليه تحدثه وهو يأخذ معها في كل فن فيسكتها ويفحمها ، فالتفتت إلي وقالت : وفيت بوعدك ، ثم أحضرت النبيذ وجعلنا نشرب وهي مقبلة علينا ثم قالت : وابن عمك هذا من أولاد التجار أيضا ؟ قلت : نعم ، قالت : إنكما لغريبان من أولاد التجار ثم حديثكما وأدبكما لمن أحاديث الملوك وليس للتجار هذه المنزلة في الأحاديث والأدب . ثم قالت لي : وعدك ؟ قلت : إنه ليجيب ولكن متى يسمع شيئا ، قالت : وذاك ، ثم أخذت العود