المحقق البحراني

168

الكشكول

وغنت فشربنا عليه رطلا ثم ثانيا ثم ثالثا وفي كل ذلك تشرب فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال ارتاح وطرب فكان الصوت الثالث مما يقترحه على المأمون أبدا ، فلما سمعه وقد دخله السكر نظر إلي نظر الأسد إلى الفريسة وقال : يا أبا إسحاق هذا الصوت فلما رأتني قد أخذت في العود ووقفت بين يديه أغنيه علمت اني أبو إسحاق وانه المأمون فنهضت وقال لها : وأومى إلى كلة مضروبة فدخلتها فلما فرغت من ذلك الصوت قال : يا أبا إسحاق أنظر من صاحب هذا الدار ؟ فقلت لتلك العجوز : من صاحب هذا المنزل ؟ قالت : الحسن بن سهل ، قلت : ومن هذه ؟ قالت : ابنته بوران ، فرجعت فأعلمته فقال : علي به الساعة ، فأحضرته فوقف بين يديه فقال : لك بنت ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : زوجنيها ، هي أمتك وأمرها إليك قال : فإني أتزوجها على ثلاثين ألفا نحملها إليك صبيحة غد فإذا نفذ إليك المال فاحملها إلينا ، قال : نعم يا أمير المؤمنين . ثم نهض ففتح الباب فخرجنا فلما صرنا إلى الدار قال : يا أبا إسحاق لا تقص على أحد ما وقفت عليه فإن المجالس بالأمانات ، فقلت : يا أمير المؤمنين مثلي ما يحتاج إلى وصية بهذا ، قال : فلما أصبحنا أمر بحمل المال إليه ونقلت إليه من يومها . قال أبو إسحاق : فما فهت بالخبر إلا بعد وفاة المأمون وذلك أنه لما أراد أن يعرس بها أمر أن تخرج الفساطيط والأخبية وتضرب على ضفة دجلة في موضع منخفض وخرج وجوه الناس لذلك العرس وعامة الناس للتنزه ، وكانت النفقة من عند الحسن بن سهل على كل من كان حضر ذلك العرس فيقال له : إنه كان الإنفاق فيها على جميع الناس وكان عدد الملاحين منهم خاصة سوى الزواريق والزلاليات وما يشاكلها الذين كانوا حملوا الناس في مراكبهم إلى ذلك الموضع تنيف على عشرة آلاف ملّاح سوى سواد الناس ، ويذكر أنه لما بسطت القبة التي دخل فيها المأمون على بوران فخير الناس الحسن بن سهل الخاصة ممن حضر ذلك العرس بين مائة دينار وحلة أو قبضة من أرض تلك القبة فيقال ان القابض بكفيه في أرض تلك القبة كان أرجح ممن أخذ مائة دينار وحلة فإنه ربما يخرج في قبضته حجر ياقوت أو حجر زمرد أو درة نفيسة تساوي أضعاف ذلك العدد ، وهو أول من تسمى بالمأمون وتسمى به بعد ذلك ولد المعتمد بن عباد وسمي يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة . منتخب من كتاب المزهر من كتاب المزهر في علم اللغة لجلال الدين السيوطي .