المحقق البحراني

166

الكشكول

صرت في بعض الطريق أحسست بالبول فعدلت عن الطريق فلما صرت إلى الجدار قضيت حاجتي وأردت أن أتمسح ببعض الحيطان فإذا بشيء معلق من حائط ، وإذا بزنبيل كبير معلق قد لبس بالديباج فيه أربعة أحبل إبريسم فقلت : إن له امرا فتجاسرت ودخلت فيه ، فلما أحس بثقلي جذب وإذا بأربع جوار يقلن بالرحب والسعة صديق أم جديد ؟ فقلت : بل جديد ، فسارت إحداهنّ بين يدي حتى أدخلتني إلى مجلس لم أر مثله قط فجلست في أدنى مجالسه وإذا بوظائف في أيديهن الشمع والمجامر يسجر فيها العود وبينهن جارية كالبدر الطالع ذات دلّ وشكل ، فنهضت عند دخولها فقالت : مرحبا بالضيف ، ثم رفعتني وسألتني عن دخولي ؟ فقلت : عن غير قصد ، فقالت : ما السبب ؟ فقلت : انصرفت من عند بعض الأخوان فلما رأيت ذلك الزنبيل حملني النبيذ على الدخول فيه ، قالت : فما صناعتك ؟ قلت : بزاز ، قالت : ما مولدك ؟ قلت : بغداد ، قالت : ومن أي الناس أنت ؟ قلت : من أوساطهم ، قالت : حياك اللّه هل رويت من الأشعار ؟ قلت : شيء ضعيف ، قالت : فذاكرني ، قلت : إن للداخل دهشة ولكن ابدءيني فالشيء بالمذاكرة ، قالت : فهل تحفظ قصيدة فلان الذي يقول فيها كذا وكذا ؟ ثم اسندتني إلى جماعة من القدماء والمحدثين فلم أدر من أي أحوالها أعجب من حسنها أو من حسن إنشادها أو حسن أدبها أو ضبطها للغريب من النحو واللغة ، ثم قالت : قد ذهب عنك بعض الحصر ؟ قلت : أجل لقد كان ذلك ، قالت : فأنشدني ، قال : فأنشدتها فجعلت تسألني عن أشياء تمر بي في الشعر كالمختبر ثم قالت : واللّه ما نظرت فيك ولا توهمت في أبناء التجار مثلك ، قالت : كيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس ؟ قلت : نظرت في شيء من ذلك ، ثم أمرت بالطعام فلما أكلنا وأحضرت النبيذ فشربت قدحا وقالت : هذا أوان المذاكرة ، فاندفعت وقلت : بلغني كذا وكذا وكان رجل من قصته كذا وكذا ، فقالت : ليس هذه الأحاديث من التجار وإنما هي من أحاديث الملوك ، قلت : إنه كان لنا جار ينادم بعض الملوك فكنت أدعوه بعض الأوقات إلى منزلي وكلّ ما تسمعين فمن عنده أخذت ، فقالت : يمكن هذا ، فقالت : لو كان عندك شيء واحد لكنت عاملا تحرك بعض الملاهي أو تترنم ، قلت : لا أحسن من هذا شيئا على انني مولع بسماعه ، قالت : يا جارية آتيني بعود فأحضرت عودا فضربت وأحسنت وغنت غناء بديعا ثم قالت : هذا الغناء لإسحاق ، وقد كنت كتمت نفسي لها فلم تزل على ذلك حتى إذا كان عند الفجر قالت : المجالس بالأمانات ، ثم انصرفت وأخرجت من باب صغير فانتهيت إلى داري . فأرسل المأمون إلي فمشيت إليه وبقيت عنده إلى وقت البارحة ودخل المأمون إلى حرمه وقال لي : لا تبرح فخرجت