المحقق البحراني

164

الكشكول

والثانية : وليمة المأمون على بوران بنت الحسن بن سهل . قال أبو الفرج : لما خطبها المأمون استعد لها استعدادا يجل عن الوصف ، وخرج المأمون إلى فم الصلح وهي بلدة في سنة عشرة ومائتين فأملك بها ، وفعل الحسن في هذه الوليمة ما لم يفعله ملك في الجاهلية ولا في الإسلام ، نثر على الهاشميين والقواد والكتاب بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع وأسماء جوار وتعيين صلاة وغير ذلك من كل شيء نفيس ، فكان إذا وقع شيء من ذلك في يد من نثر عليه فتحه وتوجه فاستوفى وقبض ما فيه ، ثم نثر بعد ذلك على عامة الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وقطع العنبر ، وأقام الوظائف والنفقات لجميع ما اشتمل عليه عسكر المأمون لكل رجل على قدره . ويقال : ان العسكر اشتمل على ستة وثلاثين ألف ملاح . قال أبو الفرج : لما جليت بوران فرش لها حصير من ذهب وجيء بإناء مملوء درا فنثر على الحصير ، وكان فيمن حضر من النساء زبيدة بنت جعفر وحمدونة بنت الرشيد وغيرهما من بنات الخلفاء فلم تلتقط واحدة منهن شيئا من الدر ، فقال المأمون : أكرمنها بالتقاطكن لها ، فمدت كل واحدة يدها واخذت واحدة وبقي الدر على حصير الذهب ، فقال المأمون : قاتل اللّه الحسن بن هاني كأنه كان حاضرا حيث قال في صفة الخمر : قامت تريني وامر الليل مجتمع * صبحا تولد بين الماء والعنب كأن صغرى وكبرى من فواقعها * حصباء در على أرض من الذهب قال : وقد تلك الليلة شمعة عنبر وزنها ثلاثون رطلا فأنكر المأمون ذلك وقال : هذا سرف ، فأمر زبيدة برفعها وقالت : هاتوا الشمع المستعمل قال : وسأل المأمون زبيدة عما أنفقه الحسن فقالت : ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سبعة وثلاثين ألف ألف ، فبلغ ذلك الحسن فقال : أو كانت النفقة على يدها واللّه لقد حصرتها فكانت ثمانين ألف ألف ، وأقامت البغال وعدتها أربعة آلاف تنقل الحطب قبل الوليمة أربعة أشهر وفي أثناء الوليمة أحوجهم الحطب فكانوا يوقدون الكتان عوضا عن الحطب . قال الطبري : ودخلوا الليلة الثالثة من وصوله إلى فم الصلح ، فلما جلس معها نثرت عليها جدتها ألف درة ، فأمر المأمون بجمع الدر وقال : كم هو ؟ فقالت : ألف حبة ، فأخذه ووضعه في حجرها وقال : هذا نحلتك وسلي حوائجك ، فقالت لها جدتها : كلمك صاحبك فكلميه فقد أذن لك ، فسألته الرضا عن إبراهيم ابن المهدي لأدبه ، فقال : قد فعلت .