المحقق البحراني

132

الكشكول

الولد ، فشاه‌بور ولد السلطان ، ثم نقل الحكاية المذكورة ومنه نقلنا . قصة الملك النعمان مع نديميه لطيفة : روي أنه كان ينادم النعمان بن المنذر رجلان من العرب هما خالد بن المفضل وعمرو بن مسعود الأسديان ، فشرب معهما ليلة فراجعاه الكلام فغضب عليهما وأمر بأن يجعلا في تابوتين ويدفنا بظهر الكوفة ، فلما أصبح سأل عنهما فأخبر بصنيعه فقدم وركب حتى عليهما وأمر ببناء الغريين وجعل لنفسه كل سنة يوم نعم ويوم بؤس ، وكان يضع سريره بينهما فإذا كان يوم نعمه فأول من يطلع عليه يعطيه مائة من الإبل وإذا كان يوم بؤسه فأول من يطلع عليه يعطيه رأس طربال وهي دويبة منتنة الرائحة ويأمر بقتله ويعزي به قبريهما . وبقي هذا حاله إلى إن كان في سنة يوم بؤسه طلع عليه رجل طائي رماه الدهر بسهام الفقر فخرج في طلب القوت لعياله فعلم الطائي أنه المقتول فقال : حيّا اللّه الملك إن لي صبية صغارا وأهلا جياعا خرجت في طلب الرزق لهم فاوقعني سوء الحظ في هذا اليوم العبوس ولن يتفاوت الحال في قتلي بين أول النهار وآخره فإن رأى الملك أن أوصل إليهم هذا القوت وأوصي بهم أهل المروة في الحي لئلا يهلكوا ضياعا ثم أعود للملك وأسلم نفسي لنفاذ أمره ؟ فرق له النعمان وقال له : لا آذن لك إلا أن يضمنك رجل معنا فإن لم ترجع قتلناه . وكان شريك بن عدي نديم النعمان معه ، فالتفت الطائي إلى شريك فقال : اضمني وأنا ارجع قبل الليل فقال شريك : أنا ضامنه . فمر الطائي مسرعا وصار النعمان يقول لشريك : جاء وقتك فتأهب للقتل ، فقال له شريك ليس للملك علي سبيل حتى يأتي المساء ، فلما قرب المساء قال النعمان : تأهب للقتل . فقال شريك : هذا شخص قد لاح من بعيد مقبلا وأرجو أن يكون الطائي وإلا فأمرك ممتثل . فبينما هم كذلك وإذا بالطائي قد اشتد في عدوه مسرعا حتى وصل فقال : خشيت أن ينقضي النهار قبل وصولي فعدوت ثم وقف قائما وقال : أيها الأمير مر بأمرك ، فاطرق النعمان برأسه إلى السماء فقال : ما رأيت بأعجب منك أما أنت يا طائي فما تركت لأحد في الوفاء مقاما يقوم فيه ولا ذكرا يفتخر به ، وأما أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء فلا أكون أنا ألأم الثلاثة ، الا وإني قد رفعت يوم بؤسي عن الناس ونقضت عادتي كرما لوفاء الطائي وكرم شريك . فقال النعمان للطائي : ما حملك على الوفاء وفيه اتلاف نفسك ؟ فقال : ديني من لا وفاء له لا دين له فأحسن له النعمان ووصله أقول : هذا هو الأصل في التسمية بالغريين إلا أنه الآن اشتهر بالغري .