يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
92
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
فخرج في شعاب مكة حائرا يتمنى الموت أن ينزل به ، فرأى شقا في جبل فتعرّض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله فيستريح ، فلم ير شيئا ، فدخل فيه ، فإذا ثعبان عظيم له عينان تقدان كالسراجين ، فحمل عليه الثعبان وأقبل إليه كالسهم فأفرج له ، فانساب عنه لا ينظر إليه ، فوقع في نفسه أنه مصنوع ، فأمسكه بيديه فإذا هو مصنوع من ذهب وعيناه ياقوتتان ، فكسره وأخذ عينيه ، ثم دخل إلى بيت ، فإذا فيه جثث طوال ، على سرير عند رؤوسهم لوح ، قيل من ذهب ، وقيل من رخام ، فيه عظات وأبيات من الشعر ، وفيه : أنا نفيلة بن عبد المدان بن خشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود نبي اللّه ، عشت خمسمائة عام ، وقطعت دور الأرض باطنها وظاهرها في طلب الثروة والملك ، فلم يكن ذلك ينجيني من الموت . ووجد في وسط اللوح : قد قطعت البلاد في طلب * الثروة والمجد قالص الأثواب وسريت البلاد قفرا بقفر * بقناتي وقوّتي واكتسابي فأصاب الردى بنات فؤادي * بسهام من المنايا صياب فانقضت شرتى وأقصر جهلي * واستراحت عواذلي من عتابي ودفعت السفاه بالحلم لما * نزل الشيب في محل الشباب صاح هل ريت أو سمعت براء * ردّ في الضرع ما قرى في الحلاب ووجد في وسط البيت كوما عظيما من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذ ثم علّم على الشق بعلامة وأغلق بابه بالحجارة . وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به يسترضيه ويستعطفه ووصل عشيرته كلهم فسادهم ، وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف . ولما كبر وهرم أراد بنو تيم أن يمنعوه من تبذير ماله ولاموه في العطاء . فكان يدعو الرجل فإذا دنا منه لطمه لطمة خفيفة ثم يقول له : قم فأنشد لطمتك واطلب ديتها ، فإذا فعل ذلك أعطاه بنو تيم من مال ابن جدعان حتى يرضى . وهو جد عبد اللّه بن أبي مليكة الفقيه . صكة عمى : وتقدم في الحديث المتقدم : صكة عمى . وقد فسره أهل العلم منهم البكري قال : عمي رجل من العماليق أوقع الغدر في مثل ذلك الوقت . وذكر أبو حنيفة في الأنوار : أن عميا رجل من عدوان ، وقيل من إياد ، وكان فقيه العرب في الجاهلية ، فقدم في قوم معتمرا أو حاجا ، فلما كان على مرحلتين من مكة قال لقومه وهم في نحر الظهيرة : من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كان له مثل أجر عمرتين . فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغد في مثل ذلك الوقت ، وأنشد :