يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
90
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
جلدتك أبدا . فقال أبو محجن : واللّه لا أشربها أبدا ، كنت أشربها فأحدّ فيكفّر عني الذنب ، وأما على هذه الحالة فلا سبيل إليها ، أو كما قال . والحكاية أطول من هذا اختصرتها . وقول سعد : لا جلدتك أبدا ، علم رضي اللّه عنه من أخلاقه ورجوليته أنه كذا يصنع ، فحقق اللّه ظنونه وبرّ بيمينه . ويروى أنه قال : وأنا واللّه لا أشربها أبدا كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم . قال فلم يشربها من بعد ذلك ، وقال في تركها : رأيت الخمر صالحة وفيها * مناقب تهلك الرجل الحليما فلا واللّه أشربها حياتي * ولا أشفي بها أبدا سقيما وكان قد قال قبل ذلك : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * لتروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنوني بالفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها لطيفة : روى بعض أهل الإخبار أن ابنا لأبي محجن دخل على معاوية رضي اللّه عنهما فقال له : للّه أبوك الذي يقول ، وأنشد البيتين . فقال له ابن أبي محجن : لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره . فقال : وما ذاك ؟ فقال قوله : لا تسأل الناس عن مالي وكثرته * وسائل الناس عن حزمي وعن خلقي القوم أعلم أني من سراتهم * إذا تطيش يد الرعديد بالفرق قد أركب اللهو مسدولا ستائره * وأكتم السر فيه ضربة العنق أعطي السنان غداة الروع حصته * وعامل الرمح أرويه من العلق وقد أجود وما مالي بذي قنع * وقد أكرّ وراء المحجر الغرق قد يعسر المرء حينا وهو ذو كرم * وقد تنوء سوام العاجز الحمق سيكثر المال يوما بعد قلته * ويكتسي العود بعد اليبس بالورق فقال معاوية : لئن أسأنا القول لنحسنن الصلة . ثم أجزل جائزته وقال : إذا ولدت النساء فلتلدن مثلك . وذكر الهيثم بن علي أنه أخبره من رأى قبر أبي محجن بأذربيجان أو قال في نواحي جرجان وقد نبتت عليه ثلاثة أصول كرم وقد طالت وأثمرت وهي معرشة على قبره ، مكتوب على القبر : هذا قبر أبي محجن ، فجعلت أعجب وأذكر قوله : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * لتروي عظامي بعد موتي عروقها وممن أقلع عن شرب الخمر أيضا رجل مولع كذلك بشربها ، فمرّ يوما ب ( طرزماباد ) وهو موضع ، فرأى كرما فأعجبه فقال : بطرزماباد كرم ما مررت به * إلا تعجبت ممن يشرب الماء