يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

64

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ظهر وبما بطن . فلا تقس الخالق بالمخلوق ، ولا علمك بعلمه ، فليس الأمر سواء . واللّه يعلم من لم يعلم حتى يعلم ، ولا قوة إلا باللّه . رجع القول إلى المعنى الأول . قلت : ومن ابتلي بأحد من هؤلاء الطوائف فليفر منه ، ولا يفاتحه بكلام ، فإنهم على جهلهم قد أوتوا جدلا ، كما جاء في الحديث الصحيح : ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل . ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [ الزخرف : 58 ] فاحتفظ بدينك خشية أن يلقى في قلبك شبهة تحيرك وتغيرك . كما يروى أن أحدهم جاء إلى أحد العلماء فقال له : أريد أن أقرأ عليك آية من كتاب اللّه تعالى . فقال له : لا أسمعها منك . فقيل له في ذلك فقال : أخاف أن يقرأ آية قد تأوّلها على غير ما أتأوّلها يحتج بها لمذهبه الفاسد ، فيدخل عليّ شبهة فبعده أحسن من قربه . أو كما قال . ويروى أن رجلا جاء إلى الحسن رضي اللّه عنه فقال : يا أبا سعيد تعال حتى أخاصمك في الدين . فقال الحسن : أما أنا فقد أبصرت ديني فإن كنت أضللت دينك فالتمسه . وقال رجل يقال له أبو الحويرة - وكان يتهم بالإرجاء لمالك بن أنس رضي اللّه عنه - : يا أبا عبد اللّه اسمع مني شيئا أكلمك به وأحاجك وأخبرك . فقال مالك : فإن غلبتني . قال : إن غلبتك اتبعني . قال : فإن جاء رجل آخر فغلبنا . قال : نتبعه . فقال مالك : يا عبد اللّه قد بعث اللّه إلينا نبيه صلى اللّه عليه وسلم بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين . وقال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه : من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل . وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : من أراد أن يكرم دينه فلا يخاصم أهل الأهواء . وإذ وقع ذكر أهل الأهواء فلنذكر فيهم حديثا خرجه أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة . وإنه سيخرج في أمتي قوم تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منهم عرق ولا مفصل إلا دخله . وقال أبو عاصم حشيش بن أصرم النسائي رضي اللّه عنه : بلغنا أن أول من افترق من هذه الأمة : الزنادقة وهم خمس فرق ، والجهمية وهم ثمان فرق ، والقدرية وهم سبع