يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
63
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وقال المأمون لثنوي يناظر عنده : أسألك عن حرفين فقط : خبرني هل ندم مسيء قط على إساءته ؟ قال : بلى . قال : فالندم على إساءته إساءة أو إحسان ؟ قال : إحسان . قال : والذي ندم هو الذي أساء أو غيره ؟ قال : هو الذي أساء . قال : فأرى صاحب الخير هو صاحب الشر ، وقد بطل قولكم : إن الذي ينظر نظر الوعيد ليس هو الذي ينظر نظر الرحمة . قال : فإني أزعم أن الذي أساء غير الذي ندم . قال : فندم على شيء كان من غيره أو على شيء كان منه ؟ ! فأسكته . ودخل على هشام بن عبد الملك رجل ثنوي فدار الكلام بينهما ، إلى أن قال هشام : أهما في القدرة سواء ؟ قال : نعم . قال : فجوهرهما واحد ؟ فقال الثنوي لنفسه ومن حضر يسمع : إن قلت : إن جوهرهما واحد ، عادا إلى نعت واحد ، وإن قلت : مختلف ، اختلفا أيضا في الهمم والإرادات ، ولم يتفقا في الخلق . فإن أراد هذا قصيرا ؛ أراد هذا طويلا ، وسكت . وقد تقدم ذكر هشام هذا وما قيل فيه . انظر كيف قطع كلام هؤلاء بالحجة البينة ، وقد خصم أيضا الموبذ الذي دخل عليه - والموبذ بلغة العجم : العالم أو القاضي - وقد تقدم ، فقال : يا هشام حول الدنيا شيء ؟ . قال : لا . قال : فإن أخرجت يدي فثم شيء يردّها ؟ . قال هشام : ليس ثم شيء يردّها ، ولا شيء تخرج يدك فيه . قال : فكيف أعرف هذا ؟ قال : يا موبذ أنا وأنت على طرف الدنيا ، فإن قلت لي يا موبذاني : لا أرى شيئا ؛ قلت لك : ولم لا ترى وليس هنا ظلام يمنعك ؟ قلت أنت لي : يا هشام إني لا أرى شيئا . قلت لك : لم لا ترى شيئا ؟ قلت : ليس ضياء أنظر فيه ، فهل تكافأت المسألتان في التناقض ؟ قال : نعم . قلت : فإذا تكافأتا في التناقض لم لا تكافأتا في الإبطال ؟ أي ليس ثم شيء . فأشار الموبذ بيده أن قد أصبت . قلت : أظنك لا تفهم هذا الكلام لأنك تعتقد أن العدم شيء وليس كذلك ، إنما العدم التلاشي المحض في حقنا ، ولا فرق بين من يقول أعطيتك لا شيء ومن يقول لم أعطك شيئا . وقولهم : خرج فلان من العدم إلى الوجود إنما هو ظهر بعد أن لم يكن . كما قال تعالى : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [ مريم : 9 ] ، وقوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [ الإنسان : 1 ] أي : في الخلق ، وهو عند اللّه مذكور أنه خالقه . فقول هشام : ليس ثم شيء ! يريد التلاشي المحض . إذ لو كان بعد طرف الدنيا شيء لم تكن متناهية . وكل المخلوقات متناهية لها أول وآخر ، وأقطار وحدود ، بخلاف القديم الذي ليس له أول ولا آخر ، وهو الأول والآخر ، أي قبل كل شيء وبعد كل شيء ، والظاهر والباطن ، أي العالم بما