يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
576
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
هذا ؛ فإن ذلك إن شاء اللّه لا يضرّه ، ويتعلق الوزر بقائله والإثم بفاعله ، لا سيما إن كان مع ذلك صوت ونوح ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية . وقد ورد النهي عن النوح في غير ما حديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكذلك ورد عن الصحابة والتابعين كراهة ذلك . يروى أن الحسن بن أبي الحسن رضي اللّه عنه كان في جنازة فيها نوائح ، ومعه سعيد بن المسيب رضي اللّه عنهم ، فهمّ سعيد بالانصراف ، فقال له الحسن : إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك في دينك . ولكل مقام مقال . يحتمل أن يكون الحسن قد شرع في تجهيز ذلك الميت أو غسله أو في شيء كان أهمّ عليه وأخف من سماع ذلك النوح ، ومع ذلك فلم يرضه وإنما تركه لما لم يقدر على تغييره ، أو لئلا يفوته من أمر الميت ما هو أعود عليه من الانصراف عن الجنازة ، كما أراد سعيد بن المسيب أن يفعل ، واللّه أعلم . ولا تغتر بفعل عائشة رضي اللّه عنها إذا انتدبت يوم موت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنها كانت صغيرة ، وقد عابت ذلك على نفسها فقالت : فمن سفهي وحداثة سني أني وضعت رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حجري وقمت ألتدم مع النساء . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد توفي في حجرها وبين سحرها ونحرها ، ويروى أنها رضي اللّه عنها قالت حين مات عليه الصلاة والسلام هذه الأبيات : قد كنت ذات حمية ما عشت لي * أمشي البراح وكنت أنت جناحي فاليوم أخضع للضعيف وأتقي * منه وأدفع ظالمي بالراح وإذا دعت قمرية شجناتها * يوما على فنن دعوت صباح وقع هذا في الدلائل ، وأنشدنيها بعض الأشياخ وزاد فيها : وأغض مني الطرف أعلم أنه * قد مات خير فوارسي وسلاحي حضرت منيته فأسلمني العزا * فتمكنت جمر الغضا بجراح نشر الفراش عليّ ريش جناحه * فظللت بين سيوفه ورماح من ذا يؤمل أن يعيش مخلدا * والموت بين غدوه ورواح يا ربّ صبّرني على ما حلّ بي * مات النبي وانطفأ مصباحي سمعت بعض أشياخي رحمه اللّه يقول : معنى قولها : وأدفع ظالمي بالراح ، تخبر أنها ليست لها حيلة إلا أن ترفع يدها بالدعاء إلى اللّه تعالى ، تدعو على من ظلمها . وقال غيره : إنما معناه أنها ليس لها سلاح ، وإنما تتقي بيديها فعل الضعيف القليل