يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
577
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الحيلة . قلت : قد رثي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمراثي كثيرة ، كلها لا تنفع ولا فيها لذي لوعة مقنع ، لأن مصيبته في كل حين تتجدد ، وفي كل وقت تتردّد ، ولا يجد ذلك على الحقيقة إلا كل مؤمن ذي كبد رقيقة ، محب بكل قلبه لا يستطاع على صرفه عن ذلك ولا قلبه . وقد علّمنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كيف العزاء إذا عظمت الأرزاء ، فقال : ليعزي المسلمون في مصائبهم بالمصيبة بي ، صلى اللّه عليه وسلم من نبي ، فمن تعزى به في مصابه على كثرة أوصابه فهو المسلم بشهادة الرسول وإلا فما أدري ما أقول . وما أحسن هذا البيت ، وليته كان في المصطفى ليت : والصبر يحسن في المواطن كلها * إلا عليك فإنك مذموم ما أصدق ما أخرج هذا الشاعر من فيه لو كان فيه . وقال غيره : وقد كان يدعى لابس الصبر حازما * فقد صار يدعى حازما حين يجزع وترك الجزع أحمد على أحمد صلى اللّه عليه وسلم وشرف ومجد وكرم . وقال آخر ، وفيه لعمر اللّه بعض السلو عن الميت ، وللقلب بعض الهدوّ بهذا البيت : وهوّن ما ألقى من الوجد أنني * أجاوره في داره اليوم أو غدا قلت : وجائز اليوم للإنسان إذا سمع كلاما فيه استحسان قصد قائله شخصا كريما عليه أن يقصد به من هو أولى به منه ويصرفه إليه ، كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وقد أنشد قول عنترة : ولقد أبيت على الطوى وأظله * حتى أنال به كريم المأكل قال : ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكذلك سمع أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ابنته عائشة رضي اللّه عنها تقول ، وقد دخلت عليه وهو مريض ، فتمثلت : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل فقال أبو بكر : ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . صدق رضي اللّه عنه في هذا الخبر صدقا . قيل ذلك في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حقا ، وأنا أقول عندما سمعت قول الشاعر : إذا لم أنافس في هواك ولم أغر * عليك ففي من ليت شعري أنافس ما أولى هذا أن يقال في حق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد تقدّم طرف من هذا في باب الذال ، ومن أحسن ما قيل في العزاء : لكل شيء إذا فارقته عوض * وليس للّه إن فارقت من عوض وقال آخر : إذا أبقت الدنيا على المرء دينه * فما فاته منها فليس بضائر