يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

575

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

قال : وذكروا عن كعب أن الذي قتل جالوت من الجبابرة جبار كان يبلغ رأسه السحاب وأعطى اللّه مملكة بني إسرائيل لداود ، وكان وعد اللّه مفعولا . وهذا الحديث اختصرته وكان طويلا . قلت : فإذا كان عوج وغيره على ما تقدّم من وصفه ؛ فكيف يعجز أحدهم عن أن يرفع تلك السارية وأعظم منها بكفه ؟ نعم . ويهدم ذلك البناء بأجمعه بإصبعه ، ويخلق اللّه تعالى ما لا نعلم ، واللّه أعلم . وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . وتقدّم ذكر الندبة ، وهو أمر مكروه في الإسلام ، وكان أهل الجاهلية يفعلونه ، وقد حرم في جملة ما حرم من النوح . خرج مسلم من طريق المغيرة بن شعبة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة . وعن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه . وفي لفظ آخر : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه . وقد أنكرت عائشة رضي اللّه عنها على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حين روى هذا الحديث ، فقالت : يرحم اللّه أبا عبد الرحمن أما إنه لم يكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنه نسي أو أخطأ ، واللّه تعالى يقول : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] ، وذكرت الحديث بكماله ، وأنه كان في يهودية بكى عليها أهلها . وأنكرت عائشة أيضا على أبي هريرة رضي اللّه عنهما حين حدّث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن امرأة عذبت في النار من جرّاء هرة ربطتها لا هي أطعمتها ولا هي سقتها حتى ماتت . فقالت له : يا أبا هريرة أنت الذي تحدّث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كذا ؟ وذكرت الحديث بكماله . فقال أبو هريرة رضي اللّه عنه : سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقالت عائشة : إن المؤمن أكرم على اللّه من أن يعذبه من جرّاء هرة ، إن المرأة مع ذلك كانت كافرة . يا أبا هريرة إذا حدّثت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فانظر كيف تحدّث . رجع الكلام إلى ذكر عمر . قلت : ويحتمل حديث عمر أن يقال : إذا كان من سنة الميت ومن غرضه أن يناح عليه بمثل هذا ؛ أو كان من سيرته أن يسمعه من أهله وهو حيّ ولا يغيره ولا ينكره على من يفعله ؛ فذلك وزر احتمله ، يعذب به في قبره . فقد خرج البخاري عن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد اللّه بن رواحة ، فجعلت أخته عمرة تبكي عليه وتقول : وا جبلاه وا كذا وكذا ، تعدد عليه ، فقال حين أفاق : ما قلت شيئا إلا وقيل لي : أنت كذا . وفي طريق آخر : فلما مات لم تبك عليه . فإن كان من سنة هذا الميت وعادته الزجر عن مثل ذلك والكراهية له ممن سمعه ونيح عليه بمثل