يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
513
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
لأبي الدحداح . وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام قال : أبشر يا أبا الدحداح فإن اللّه قد أضعف لك ذلك في الجنة بألف ألف . قال : فمضى أبو الدحداح وأخرج أولاده من الحائط وجعل يخرج التمرة من يد هذا ومن فم هذا ومن حجر هذا ومن كم هذا ويضعها في الحائط ، وأنشأ يقول : يا أم دحداح هداك الهادي * إلى سبيل الخير والرشاد بيني من الحائط وسط الوادي * فقد مضى قرضا إلى التناد أقرضته اللّه على اعتمادي * طوعا بلا منّ ولا ارتداد إلا رجاء الضعف في المعاد * إن التقى والبر خير زاد وتقدّم قولهم في ابتداء الكلام : أعزك اللّه . ولقد ظهر لي معنى حسن في قول العامة : عنك وعمن دونك ، حتى لهج به بعض الناس ، حتى دخل في تضاعيف كلامه مرارا ، يكاد لا تتكلم العامة بشيء إلا وله أصل ومعنى ، علمه من علمه وجهله من جهله ، فأعملت فكري في هذه اللفظة ؛ أي : عنك وعمن دونك ؛ فرأيت أنها كلمة قالها ؛ واللّه أعلم ؛ من خاطب رجلا كبيرا أو عالما ، فكان يقول في كلامه : هذا الذي أحدثك به ليس باطلا ، ولكنه حق أحدثك به عن العلماء عنك وعن غيرك ، واستحيى أن يواجهه بهذا فقال : عنك وعمن دونك ، يعني أنك أعلم من غيرك ، فحسن أدبه معه ، ولم يقل عنك وعمن فوقك . فيقوله الناس ولا يلقون له بالا ، كما يقولون للغائب إذا قدم : على السلامة ، وأصله : الحمد للّه على السلامة ، وكذلك كيف أصبحت وكيف أمسيت ، وكأن الأصل فيه ؛ على ما يروى ؛ إنّما قيل ذلك في طاعون عمواس ، إذ كان يظهر الطاعون من جسم من قضى أن يموت فكانوا يتساءلون إذا التقوا عنه ، وقيل : إنّما ذلك سؤال عن أعمالهم الباطنة من طريق الآخرة ، أو يكون سؤال نية ، فنسخ ذلك وصار إلى قول مجرد لا نية فيه ولا عقد ، شبيه باللغو ، وإلى غير ذلك أشياء مثل هذه كثيرة ، نسأل اللّه السلامة مما لا يرضاه منا . فينبغي للرجل إذا سأل أخاه أن يكون له نية في ذلك ، كما فعل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذ سأل الرجل فقال له : كيف أنت ؟ فقال : أحمد إليك اللّه . فقال عمر : ذلك أردت منك . وخرج أبو عمر بن عبد البر عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : جاءت عجوز إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لها : كيف حالكم ؟ كيف كنتم بعدنا ؟ . فقالت : بخير بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه . فلما خرجت قلت : يا رسول اللّه تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال ؟ . قال : إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان .