يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

514

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وكان عيسى عليه السلام إذا قيل له : كيف أصبحت ؟ . قال : أصبحت لا أملك ما أرجو ، ولا أستطيع دفع ما أحاذر ، وأصبحت مرتهنا بعملي ، والخير كله في يدي غيري ، فلا فقير أفقر مني . وقال الشاعر : كيف أصبحت كيف أمسيت مما * ينبت الود في فؤاد الكريم وقيل لبعضهم : كيف أصبحت ؟ . فأنشد : أقول بخير ولكنه * كلام يدور على الألسن وقيل لشريح القاضي : كيف أصبحت ؟ . فقال : أصبحت ونصف الناس عليّ غضبان . يريد أن الناس صنفان محكوم له ومحكوم عليه ، فأحدهما راض والآخر ساخط . وكان الربيع ابن خيثم إذا قيل له : كيف أصبحت ؟ . قال : أصبحنا ضعفاء مذنبين نستوفي أرزاقنا وننتظر آجالنا . وكان أبو الدرداء رضي اللّه عنه إذا قيل له : كيف أصبحت ؟ . يقول : أصبحت بخير إن نجوت من النار . وكان أبو سفيان يقول : أصبحت أشكو من ذا إلى ذا ، وأذم ذا ، وأفرّ من ذا إلى ذا . وقيل لأويس القرني : كيف أصبحت ؟ . قال : كيف يصبح الرجل إذا أصبح أنه لا يدري أنه يمسي ، وإذا أمسى لا يدري أنه يصبح . وقيل لمالك بن دينار : كيف أصبحت ؟ . قال : أصبحت في عمر ينقص وذنوب تزيد . وقال غيره : أصبحت لا أرضى حياتي لمماتي ولا نفسي لربي . وقال آخر : أصبحت آكل رزق ربي وأطيع عدوّه إبليس . وقيل لآخر : كيف أصبحت ؟ . فقال : ما ظنك برجل يرتحل كل يوم إلى الآخرة مرحلة . وقال آخر : أصبحت أشتهي عافية يوم إلى الليل . قيل له : ألست الأيام كلها في عافية ؟ . قال : عافية يوم لا أعصي اللّه فيه . وقال حاتم الأصم لحامد اللفاف : كيف أنت في نفسك ؟ . قال : سالما معافى . قال : يا حامد السلامة من وراء الصراط والعافية في الجنة . وقيل لآخر : ما حالك ؟ . قال : وما حال من يموت ثم يبعث ثم يحاسب . وقال ابن سيرين لرجل : كيف حالك ؟ . قال : وما حال من عليه خمسمائة درهم وهو معيل . فدخل ابن سيرين منزله فأخرج ألف درهم فدفعها إليه فقال : خمسمائة درهم اقض بها دينك وخمسمائة درهم عد بها على عيالك ، ولم يكن عنده غيرها . ثم قال : واللّه لا أسأل أحدا عن حاله بعد هذا أبدا . ومن أحسن ما روي في هذا ، ما خرج أبو نعيم في كتاب الحلية ، ما روي عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه قال : دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لي : كيف أصبحت يا معاذ ؟ . فقلت : أصبحت باللّه مؤمنا . فقال : إن لكل قول مصداقا ، ولكل حق حقيقة فما مصداق ما تقول ؟ . قلت : يا نبي اللّه ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمسي ، ولا أمسيت مساء قط إلا ظننت أني لا أصبح ، ولا خطوت خطوة إلا ظننت