يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

472

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

سخطه هي معاصيه ، فمن زعم أن الرجاء مع الإصرار صحيح فليزعم أن طلب الربح في الفقر وقدح النار في البحر صحيح . وإنما تكلم العلماء في أن الجائز الممكن أن يغفر اللّه الذنب إذا شاء وإن كان قد توعد عليه ، فإن لصاحب الحق تركه ، ومن صفات الكريم الوفاء بالوعد والتجاوز عن الوعيد ، فإما أن يقول أحد ابتداء : إن اللّه تعالى وعد المغفرة للمصرّين ، فأعوذ باللّه ، ولو كان ذلك كذلك لكان إذنا لهم وإباحة لركوب المعاصي ، وهذا هدم للنبوّات كلها ، ونقض للشرائع بأسرها ، وفي الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه . وفي القرآن العزيز : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : 56 ] ، وقد فسر النبي صلى اللّه عليه وسلم الإحسان فقال : أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . وقال الحسن رضي اللّه عنه : إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة ، يقول : أحسن الظنّ بربي ، كذب ! لو أحسن الظنّ بربه لأحسن العمل . وتلا قوله تعالى : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [ فصلت : 23 ] . وكتب أبو عمير المنصوري إلى بعض إخوانه : أما بعد فإنك قد أصبحت تأمل بطول عمرك ، وتتمنى على اللّه الأماني بسوء فعلك ، وإنّما تضرب حديدا باردا . وقال الشاعر يتغنى ويسلي نفسه بما يتمنى : متى إن تكن حقا تكن أحسن المنى * وإلا قد عشنا بها زمنا رغدا ومن التمني الكاذب قول الراجز : غيثا أرجيه ظنون الأظنن * أماني كالكركم إذ قال اسقني ذكره ابن قتيبة وقال : وهذا إنّما يقول الناس : منى الكمون ، ذكره في حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم : بينا هو وجبريل يتحدثان ؛ تغير وجه جبريل عليه السلام حتى عاد كأنه كركمة . وقال الكركمة : واحدة الكركم ، وهو الزعفران . انتهى كلامه . ومن أسماء الزعفران أيضا : الأيدع . قال الراجز : كما اتقى المحرم حجا أيدعا والكلام أيضا في هذا الفن طويل ، والحق ثقيل إلا على القليل ، وبعد : فبمثل هذا الباب يفرح أولو الألباب ، ويسرّ به الأحباب ، لأنه لباب اللباب . وتقدّم ذكر : السوسان ، ولا أعرفه بالألف . وأنشدني الفقيه أبو عبد اللّه بن الفخار رحمه اللّه لأحد قضاة الأندلس ؛ وقد أتى بامرأة بيضاء وقع عليها رجل أسود ؛ فقال :