يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
423
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الجاهل المكب على الدنيا الراغب فيها فيقول العالم على هذه الحالة لا أكون أنا شرا منه ، وخرج من عنده . فازداد ابن مقاتل مرضا ، وبلغ أهل الري ما جرى بينه وبين ابن مقاتل . فقالوا له : إن الطنافس بقزوين أكثر بناء منه . فسار إليه متعمدا ، فدخل عليه فقال : رحمك اللّه أنا رجل أعجمي أحب أن تعلمني مبدأ ديني ومفتاح صلاتي ، كيف أتوضأ للصلاة . قال : نعم حبا وكرامة . يا غلام هات إناء ، فأتى به ، فتوضأ ثلاثا ثلاثا ، ثم قال : هكذا فتوضأ ، فقال حاتم : مكانك حتى أتوضأ بين يديك . فتوضأ حاتم وغسل الذراعين أربعا ، فقال له الطنافسي : يا هذا أسرفت . فقال له حاتم : فيماذا ؟ قال : غسلت ذراعيك أربعا . قال : سبحان اللّه أنا في كف من ماء أسرفت ، وأنت في هذا الجمع كله لم تسرف ؟ . فعلم الطنافسي أنه قصد ذلك دون التعلم . ودخل البيت فلم يخرج إلى الناس أربعين يوما . فلما انتهى حاتم إلى مدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، سأل عنها أهل البلدة ، فقالوا : مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فأين قصور رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقصور أصحابه رضي اللّه عنهم ؟ . قالوا : ما كانت لهم قصور ، إنما كانت لهم بيوت لاطئة بالأرض . قال حاتم : فهذه مدينة فرعون . فحمل إلى السلطان ، وذكروا له قوله . فقال الوالي : ولم ذلك ؟ . فقال : لا تعجل عليّ أنا رجل أعجمي غريب قلت : أين قصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ ، وقص القصة . وأنتم بمن تأسيتم أبرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أم بفرعون ؟ . فعرفوا بعيبهم وتركوه رضي اللّه تعالى عنه . ومثل التعامي المحمود ما يروى أن الربيع بن خيثم كان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة ، لا تحسب جارية لابن مسعود إلا أنه أعمى ، لشدّة غض بصره ، وطول إطراقه إلى الأرض بنظره . وكان إذا دق عليه الباب تخرج إليه الجارية ، فإذا رأته قالت لعبد اللّه : صديقك ذلك الأعمى قد جاء . فكان ابن مسعود يضحك ويقول : ويحك ذلك الربيع . وكان ابن مسعود رضي اللّه عنه إذا نظر إليه يقول : وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 24 ) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الحج : 34 - 35 ] أما واللّه لو رآك محمد صلى اللّه عليه وسلم لفرح بك . ومشى معه ذات يوم في الحدّادين ، فلما نظر إلى الأكوار تنفخ ، وإلى النيران تلتهب ، صعق وخرّ مغشيا عليه ، فقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة ، فلم يفق فحمله على ظهره إلى منزله ، فلم يزل مغشيا عليه إلى الساعة التي صعق فيها حتى فاتته خمس صلوات . وابن مسعود عند رأسه يقول : هذا واللّه هو الخوف . وكان الربيع يقول : ما دخلت في صلاة قط فأهمني إلا ما أقول وما يقال لي . وقد جاء عن ابن عوف قال : رأيت مسلم بن يسار يصلي كأنه ودّ ؛ أي : وتد ؛ وقد