يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

336

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ومما جاء في الهام حديث حاتم طيء أشهر الكرام الذي قرى أضيافه في المنام ، وذلك أن ركبا من العرب نزلوا بموضع قبره ، وقد نفد زادهم ، وفيهم رجل يكنى أبا خبيري فجعل يقول : أبا سفانة - وهي كنية حاتم - ألا تقري أضيافك ؟ أبا سفانة إن أضيافك جياع ؟ يعيدها ليلته ، فلما نام ثار من نومه وهو يقول : وا راحلتاه عقرت واللّه ناقتي ، فقال له أصحابه : وكيف ؟ قال : رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائما ينشدني : أبا خبيري وأنت امرؤ * ظلوم العشيرة لوّامها وماذا تريد إلى رمة * بداوية صبحت هامها تبغي أذاها وإعسارها * وحولك عوف وأنعامها ثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده فعقر به ناقتي ، وقال : دونكم ، فما أيقظني إلا رغاؤها وإذا بالناقة ترغو ما تنبعث ولا بها حراك ، فقالوا : قد واللّه قراكم حاتم ، فنحروها وأكلوا وتزوّدوا واقتسم القوم متاع أبي خبيري على إبلهم ، واستمروا لوجههم . فلما صاروا في الظهيرة وضح لهم راكب يخبب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم : أفيكم أبو خبيري ؟ قالوا : نعم . قال : فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول : إن أبا خبيري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوّضه منها وزده بكرا يحمل عليه متاعه ، وهذه الناقة وهذا البكر ، فارتحل أبو خبيري الناقة وتخفف هو وأصحابه من أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى . فيقال : لا يعرف ميت قرى أضيافه سواه . وإذ وقعنا في ذكر المنامات فلنذكر بذلك حكايات بروايات . أخبرني أبو الحسن علي بن مؤمن قال : سمعت الفقيه القاضي الشريف أبا محمد عبد اللّه بن عبد الرحمن العثماني الديباجي رحمه اللّه يقول : أخبرني أبو بكر بن شبل عن أبي الفتح المقدسي قال : حدثني أبو الحسن العريشي قال : كان عندنا معلم اسمه إبراهيم ، وكان صالحا . قال : كنت جالسا إذ دخل عليّ أبو ذر شيخ بشاى ، فحدثني أنه جاء إلى منزله فقالت له امرأته : قد جاء رجل طلبك . فقلت : هذا ضيف ، فذبحت له دجاجة ، وهيأت له عشاء ، فجاء الرجل وتعشينا ونمنا ، فرأيت في النوم أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، فقالا لي : أما تستحي تجيء إلى رجل يسبنا فتضيفه ؟ فقلت : واللّه ما علمت بذلك ، فقال أحدهما للآخر : اذبحه ، فقلت : لا تفعل فإني أخاف السلطان ، فوثب إليه فذبحه ، فانتبهت فإذا به مذبوح ، وانتبهت امرأتي فعرّفتها بذلك ، وجلست أنا في ناحية من البيت أفكر في هذا الأمر ؛ والمرأة في ناحية أخرى ، والرجل مطروح ، فقلت : كيف أصنع وقد علم أهل القرية أنه ضيفي ، ثم إني تحاملت وقمت إليه ولففته في الحصيرة التي هو عليها