يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
323
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وقال عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه : إذا كان يوم صوم أحدكم فليفطر على ماء فإنه بركة ولا يتمضمض ثم يمجه ، ولكن ليشربه فإن أوّله خير . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا أفطر من صيام دعا بماء فشرب ثم قال : الحمد للّه ، ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الأجر إن شاء اللّه . ويقال : كثرة النوم من كثرة شرب الماء . ولذلك كان بعض الصوفية إذا اجتمعوا يقول قائلهم : لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا . ويحكى أن أحد المنانين كان إذا أضاف قوما سألهم إذا أصبحوا فقال لهم : كيف كان شربكم للماء البارحة ؟ فقالوا له : شربنا كثيرا . فقال لهم : إن التراب الكثير لا يبله إلا الماء الكثير . فلما كان يوم آخر سألهم كذلك ، فقالوا : ما شربنا شيئا . فقال : ما تركتم للماء مساغا . وقالت الحكماء : الماء كله واحد ، وإنما تغيره الأرض ، فمنه الخفيف والثقيل والعذب والملح والزعاف والسخن والبارد ، حكمة من اللطيف الخبير . وقال الشاعر : وأول خبث الماء خبث ترابه وقد تقدم . وقالوا في الماء : هو أعز مفقود ، وأهون موجود . دخل الشعبي على مسلم بن قتيبة فقال له : ما تشتهي ؟ . فقال : يا شعبي أعز مفقود وأهون موجود . فقال : يا غلام اسقه الماء . تقدّم أن الماء حياة كل شيء على ما في الآية . وكذلك قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في القارورة التي أرسل بها قيصر إلى معاوية رضي اللّه عنه ، وأمره أن يملأها من بذر كل شيء . فقال ابن عباس : املأها ماء . قيل لابن عباس من أين أخذت ذلك ؟ . قال : من قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] الآية . وقد كان كتب قيصر إلى معاوية كتابا يسأله فيه عن أشياء . قال له : أخبرني عن ما لا قبلة له ، وعن من لا أب له ، وعن من لا عشيرة له وعن من سار به قبره ، وعن ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم ، وعن شيء ، ونصف شيء ، ولا شيء ، وابعث إليّ في هذه القارورة ببذر كل شيء . فبعث معاوية بالقارورة والكتاب إلى ابن عباس ، فقال : أما ما لا قبلة له فالكعبة . وأما من لا أب له فعيسى . وأما ما لا عشيرة له فآدم . وأما من سار به قبره فيونس عليه السلام . وأما ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم : فكبش إسماعيل ، وناقة ثمود ، وحية موسى . وأما شيء فالرجل له عقل يعمل بعقله . وأما نصف الشيء فالرجل ليس له عقل ويعمل برأي ذوي العقول . وأما لا شيء فالذي ليس له عقل يعمل به ولا يستعين بعقل