يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

292

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وأذكر هنا فصلا يحتوي على أخبار حسان في الأخبار التي بها حياة الإنسان . يروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : أكرموا الخبز ؛ فإن اللّه سخر له من في الأرض والسماء . وفي لفظ آخر : فإن اللّه أنزله من بركات السماء . وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام : اللهم أمتعنا بديننا الإسلام ، وبالخبز ، فإن الخبز مبارك ، به أنبت اللّه الأرض وبه أرسل السماء مدرارا ، وبه أنبت المرعى ، وبقوته صمنا وصلينا وحججنا بيت ربنا ، ولولا الخبز ما عبدوا اللّه ولا جاهدوا عدوه . قال بعض العلماء : من إكرامه أن لا ينتظر به الإدام ، ولا يوضع عليه شيء من آلة الطعام فإن وضع عليه مأكول فلا بأس . وجاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : لا تدعموا بالخبز قصعة ولا تكفئوه على إناء . وقال بعضهم : ما زاد على الخبز فهو شهوة حتى الملح . وقال آخر : الخبز من أكبر الشهوات ما زاد عليه فهو فاكهة . يروى عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال : ما تأتينا من العراق فاكهة أحب إلينا من الخبز . وإذا فكرت في الخبز فهو الدين ، فإنا به نتقوى على العبادة . فإن كان حلالا وأكل على وجهه أثر في القلب وفي البدن تأثيرا ، وفي القلب تنويرا ، وإن كان من غير حله وتعدى في أكله انمحى ذلك التنوير وتكدر أيما تكدير . كما يقال : من أكل لقمة من حرام قسا قلبه أربعين يوما . وقال بعض العلماء : إذا فسد خبز الناس فسدت عبادتهم ، لأن قوامها بالخبز ، وقولهم وفعلهم صادر عن قوته ، وأعني بالخبز القوت من أي نوع كان . كما يذكر أن علامة صدق الجوع أن لا يتخير نوعا من الطعام ، فإذا تخير فليس بصادق الجوع . ويروى أن إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه - أو غيره - قال : انتهيت في سياحتي إلى موضع فيه ماء وحوله بقل فأكلت من ذلك البقل وشربت عليه من الماء ، ثم استلقيت وقلت : الحمد للّه هذه شبعة ليس فيها إن شاء اللّه تعالى حساب ، فسمعت هاتفا يقول : فالقوة التي ساقتك إلى هنا من أي شيء كانت ؟ . فقول العبد : لا إله إلا اللّه ، وقراءته وجميع عباداته ، إنما هي من الخبز ، وعن القوت فإن طاب طابت وإن فسد فأنت تدري ما أريد أن أقول ، واللّه يخلص من الفضول . وأما خبز الحنطة فقد جاء فيه عن عيسى عليه الصلاة والسلام : كلوا خبز الشعير وإياكم وخبز البر فلن تقوموا بشكره . وقد تقدم كيف كان عيش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعيش أصحابه وأكلهم . وقد خرج ثابت عن أبي برذة قال : كنا نتحدث في الجاهلية أنه من أكل الخبز سمن . قال فغزونا غزاة فلقينا المشركون فأجهضناهم عن