يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
293
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
ملة فجلسنا نأكل منها ، ثم نظر أحدنا في عطفيه أسمن بعد . ومعنى أجهضناهم : أعجلناهم . والملة عند العامة : الخبزة . وإنما الملة : الرماد المحمى ، فإن سميت الملة خبزا فجاز على تقدير خبز ملة . وقال أبرويز - وهو كسرى - لهوذة بن علي وقد أعجبه كلامه : ما غذاؤك في بلادك ؟ . قال : الخبز . قال كسرى : هذا عقل الخبز لا عقل اللبن والتمر . وكان الذي أعجبه منه سأله عن أحب أولاده إليه فقال : الصغير حتى يكبر ، والغائب حتى يقدم ، والمريض حتى يبرأ . وسمي عبد اللّه بن خبيب العنبري آكل الخبز لاقتصاره عليه ورغبته فيه بدلا عن غيره . وكذلك كان سالم بن عبد اللّه قال له هشام مرة : ما غذاؤك ؟ . قال : الخبز بالزيت . قال : أما تأجمهما ؟ . قال : إذا أجمتهما تركتهما حتى أشتهيهما . قوله : أجمتهما معناه كرهتهما . ومنه قول كعب بن زهير في صفة السيوف : قد أجمن الجفونا ؛ أي : كرهن المقام فيها ، والجفون : هي الأغمدة . فانظر قدره عند من تقدّم كيف كان . فسبحان اللّه ما أقل شكرنا وأكثر كفرنا . صدق اللّه حيث يقول : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] . فصل : [ تقدّم أن الملائكة يبعثها اللّه تعالى إلى الحبوب المستودعة في بطون الأرض . . . ] تقدّم أن الملائكة يبعثها اللّه تعالى إلى الحبوب المستودعة في بطون الأرض . قال بعض العلماء : كل جزء من أجزاء الإنسان ؛ بل من أجزاء النبات ، لا يغتذي إلا أن يوكل اللّه به سبعة من الملائكة ، هذا أقلهم إلى عشرة ، إلى مائة ، إلى ما وراء ذلك . لأن الملائكة صلوات اللّه عليهم ليسوا كبني آدم ، يعملون أعمالا كثيرة ، إنما لكل واحد منهم عمل واحد على انفراده ، تصديق ذلك : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] ، وكذلك في التسبيح والركوع والسجود والقيام ، لا يعدو أحد ما جعل له . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله : كل ميسر لما خلق له : وقال اللّه تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] ، ألم يك نطفة من ماء مهين ، أراك اليوم ذا لحم وعصب وعظام وشعر وبشر وألوان شتى . تقول وحدها تخلقت إلى هذه الخلق ! لا ورب الفلك ، كأنك لم تسمع في حديث النطفة : يأخذها الملك بيده فيقول : يا رب نطفة ، يا رب علقة ، يا رب مضغة ، يا رب كذا ، يا رب كذا ، فما الرزق ؟ فما العمل ؟ فما الأجل ؟ فيأمر إليه ، ويكتب الملك . الحديث بكماله . أوليس مصداقه في كلام اللّه : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ