يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
284
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
رزقه - فقليل من قليل من قليل ، ثم إن اللّه تعالى احتاط لي في ذلك ، ودقق النظر بأن وكد ديني بالشهود والكتاب ، وأنزل فيه أطول آية في كتابه ، ولو فاتني ذلك لم أبل به ، فكيف يكون فعله في الآخرة ، التي لا عوض من نفسي فيها . وكذلك كان بعض الراحلين يفهم من قوله تعالى إذا تلا : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] يرجو من ذلك ثواب الجود والكرم والإحسان ، مما لم يحتسبه في الدنيا قط . وكان الجنيد رضي اللّه عنه يقول : إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيئين بالمحسنين . وعلى ذلك جاء في الخبر : ليغفرن اللّه عز وجل يوم القيامة مغفرة ما خطرت قط على قلب أحد حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن تصيبه . انتهى كلامه . ومع هذا فكما قالوا : عش ولا تغتر . هذا مثل يقال لمن يقال له : المرعى أمامك فلا تعلف إبلك فسترد المرعى ، فتستغنى عن المرعى . فيقال له : عش إبلك ولا تغتر . قلت : تدري ما يكون وأنت أخي فاعمل واتكل على فضل اللّه تعالى أن يقبل عملك ، ولا تترك العمل وتتكل على فضل اللّه وأنت قد عصيته بترك ما أمرك به ، ليس هذا رجاء ، هذا تسميه العلماء الاغترار . ألم تسمع قوله عليه الصلاة والسلام : قيدها وتوكل . ولم يقل لصاحب الناقة : أرسلها وتوكل . ومن الرجاء سمع أعرابي قارئا يقرأ : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [ آل عمران : 103 ] فقال : واللّه ما أنقذهم منها . ويريد : رجوعهم إليها ، وابن عباس رضي اللّه عنهما حاضر ، فقال : خذوها من غير حكيم . ومن الرجاء قال أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه : يؤتى بالعبد يوم القيامة بين الناس فيرى خيرا فيقول : قد قبلت . ويرى شرا فيقول : قد غفرت . فيجد الخير عند الخير والشر ، فيقول الخلائق : طوبى لهذا العبد لم يعمل سوءا قط . ومن الرجاء أيضا ما أرويه بالإسناد العالي عن الحافظ رحمه اللّه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ، فيؤتى له بتسعة وتسعين سجلّا ، كل سجل منها مد البصر ، فيها خطاياه وذنوبه ، فتوضع في كفة الميزان ، ويخرج له قرطاسا مثل هذا - أو قال هذه - فوق الأنملة ، فيها شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، فتوضع في الكفة الأخرى ، فترجح على خطاياه وذنوبه . فصل : [ وأزيدك فأفيدك : لعلك لا تعرف من نعمة اللّه تعالى عليك في الأكل . . . ] وأزيدك فأفيدك : لعلك لا تعرف من نعمة اللّه تعالى عليك في الأكل إلا أنك