يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
285
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
تجوع فتأكل ، والحمار أيضا يعرف أنه يجوع فيأكل ويتعب فينام ويشتهي فيجامع ، ويستريح إذا تعب . فإذا لم تعرف من نفسك إلا كما يعرف الحمار فكيف تقوم بشكر نعم اللّه عليك . وقد تقدم من الكلام في الطعام من أوله إلى أن يصير خبزا يؤكل ما فيه كفاية ، وذلك كله ظاهر . أرأيت إذا وقعت عينيك على الطعام أليس ينبعث إلى فمك من الريق واللعاب ما تبل به المطعوم حتى تبل به رطل دقيق ، وقبل ذلك ربما لا تجد في فمك ريقا ، ثم إذا حصل الطعام بين يديك على أتم وجوهه حتى صار لقمة وجعلت في فيك من غير أن تمد لها يدك ؛ ألست تعلم أنك لا تنتفع بها ما لم تحصل في جوفك ، وحينئذ يصح أن تتغذى بها ويحصل لك العيش . فانظر أولا في الفم الذي يهبط منه الطعام إلى المعدة كيف خلقه اللّه تعالى كالحفرة ، وجعل لك شدقين لتمسك الطعام في الفم إذا أطبقت عليهما الشفتين حتى ينطحن الطعام فيه ، وقد عدد اللّه تعالى نعمة الشفتين واللسان في القرآن فقال اللّه تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ [ البلد : 8 - 9 ] وسيأتي الكلام على العينين إن شاء اللّه تعالى . فانظر كيف تجعل الطعام في الفم يابسا فلا يبتلع حتى يكسر ، فخلق له اللحيين من عظمين وركب فيهما الأسنان صفين وطبق الأعلى على الأسفل ، ثم خلق الأضراس أنواعا على قدر الحاجة ، لأن الطعام يحتاج مرة إلى الكسر ومرة إلى القطع وإلى الطحن ، فتجد في الفم من ذلك ما تحتاج إلى عمله ، وجعل اللحى الأسفل متحركا والأعلى ثابتا ، ولو كانا جميعا متحركين لم ينتفع بهما للطحن ، وكانا كاليدين مثلا تضرب بإحداهما على الأخرى ولا يتم الطحن بذلك . وكل الأرحاء يدور الأعلى على الأسفل إلا هذا الذي في الفم فإن الأسفل يتحرك والأعلى ثابت ، ثم جعل اللسان في الفم يحمل الطعام من موضع إلى آخر ومن شدق إلى شدق ويرفعه إلى الطاحون ويردده ويقلبه ، ويأخذ في المثل زريعة التين على دقتها ويجعلها على الطاحون ليكسرها مع ما فيه من فائدة الذوق الذي ليس لغيره ، وإلا فذق بإصبعك إن قدرت . وعجائب قوة النطق الذي ليس لسواه ، ثم هبك طحنت كما تقدم لو كان يابسا أكنت تستطيع أن تسيغه . فانظر كيف خلق اللّه تحت اللسان عينا يفيض اللعاب منها فيصب بقدر الحاجة حتى ينعجن الطعام به ، وأعجب من هذا أن ذلك اللعاب ينصب عند رؤية الطعام من قبل أن يدخل في الفم كما تقدم . ثم انظر من يوصل الطعام إلى المعدة ولا كف لها تجيزه بها ، فهيأ اللّه تعالى المرئ والحنجرة وجعل على رأسها طبقات تنفتح لأخذ الطعام ثم تنطبق وتنصغط حتى ينفلت الطعام بضغطه فيهوي إلى المعدة وهو خبز أو