يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

246

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

الملوك قدرا . فإذا نظرت في غلبة الملوك فانظر في غالب الملوك ، وإذا سرك يومك فخف غدك . وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها ، عاشوا طويلا وأمّلوا بعيدا وتزوّدوا قليلا ، منهم من أدركه الموت ، ومنهم من أكلته النقم ، وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك ، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد ، وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس له شيء أحسن مما يأمر به ، ولا أقبح مما ينهي عنه ، واعلم أن لك ربا يميت الحي ويحيي الميت ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . فقال الحارث : قد كان هذا النبي عرض نفسه عليّ فخطئت عنه ، وكان ذخرا لمن صار إليه ، وكان أمره أمرا بينا فحضره اليأس وغاب عنه الطمع ، ولم تكن له قرابة أحمله عليها ، ولا لي فيه هوى أبتغيه له ، غير أني أرى أمرا ليس يوسوسه الكذب ولم يسنده الباطل . له بدء سار ، وعاقبة نافعة وسأنظره . وقدم شجاع بن وهب على جبلة بن الأيهم بن الحارث بن أبي شمر فقال له : يا جبلة إن قومك نقلوا هذا النبي الأمي من داره إلى دارهم ، يعني الأنصار . فآووه ومنعوه ، وإن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك ، ولكنك ملكت بالشأم وجاورت بها الروم ، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس لملك العراق ، وقد أقر بهذا النبي الأمي من أهل دينك ، من إن فضلناه عليك لم يغضبك ، وإن فضلناك عليهم لم يرضك ، فإن أسلمت أطاعتك الشأم وهابتك الروم وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا ولك الآخرة ، وكنت قد استبدلت المساجد بالبيع ، والأذان بالناقوس ، والجمع بالشعانين ، والقبلة بالصليب ، وكان ما عند اللّه خيرا وأبقى . فقال له جبلة : إني واللّه لوددت أن الناس اجتمعوا على هذا النبي الأمي اجتماعهم على خالق السماوات والأرض ، ولقد سرني اجتماع قومي له ، وأعجبني قتله لأهل الأوثان واليهود ، واستبقاؤه النصارى ، ولقد دعاني قيصر إلى قتل أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه ، فانتدب له مالك بن نافلة ابن سعد العشيرة فقتله اللّه ، ولكني لست أرى حقا ينفعه ، ولا باطلا يضره ، والذي يمدني إليه أقوى من الذي يخليني عنه . وأسلم جبلة هذا ، ثم تنصر من أجل لطمة لطمها حوكم فيها إلى أبي عبيدة بن الجراح . وكان طوله اثني عشر شبرا ، وكان يمسح برجليه الأرض وهو راكب ، وقد تقدم في أول الكتاب من كان طوله عشرة أشبار مثل عبادة بن الصامت وغيره رضي اللّه عنهم . كذا وقع في كتاب الأستاذ رحمه اللّه . ورأيت في العقد : أنه قدم من الشأم على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وحضر معه الموسم وقد أسلم ، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل من بني