يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
184
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وجاء في الحديث من ذكر النمل : نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قتل أربعة من الدواب : النملة والنحلة والهدهد والصرد . وفي الحديث أيضا أن نبيا من الأنبياء قرصته نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى اللّه إليه : أفي أن قرصتك نملة واحدة أهلكت أمة من الأمم تسبح . وفي بعض الروايات فهلا نملة واحدة . جاء في خبر أنه عزير ، وأنه لما أحرق قرية النمل أوحى اللّه إليه : يا عزير بلغ من أذاهن إياك أن تحرق قرية النمل بالنار . وإنما عضتك منها نملة واحدة . فقال : يا رب إنما عضتني تلك النملة الواحدة بقوتهن . ثم علم عزير أن هذا مثل ضربه اللّه له . وذلك أمر كان قد تقدم له ، واللّه أعلم . تقدم أن النملة تجمع ، وقد وصف جرير بن عبد اللّه البجلي الذرة بالجمع ، فقال لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حين قدم عليه من قبل سعد بن أبي وقاص فسأله عمر : كيف تركت سعد في ولايته ؟ فقال : تركته أكرم الناس مقدرة وأحسنهم معذرة ، وهو لهم كالأم البرة ، يجمع لهم كما تجمع الذرة ، مع أنه ميمون الأثر مرزوق الظفر . وذكر حديثا طويلا . خرج حديثه هذا ابن عبد البر رحمه اللّه . وذكر جريرا هذا وفضله ، وأنه كان سيدا في قومه ، وتأخر إسلامه . قال جرير رضي اللّه عنه : أسلمت قبل موت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأربعين يوما ، ومع ذلك فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحبه . قال جرير : ما حجبني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني قط إلا ضحك وتبسم . وفيه قال عليه الصلاة والسلام : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه . ويروى أن ذلك قاله في صفوان بن أمية . وفي جرير قال الشاعر : لولا جرير هلكت بجيله * نعم الفتى وبئست القبيلة فقال عمر رضي اللّه عنه : ما مدح من هجى قومه . وكان عمر رضي اللّه عنه يقول : جرير يوسف هذه الأمة . يعني في حسنه ، وهو الذي قال لعمر بن الخطاب حين وجد في مجلسه رائحة كريهة من بعض جلسائه فقال : عزمت على صاحب هذه الرائحة إلا قام فتوضأ . فقال جرير : علينا كلنا يا أمير المؤمنين فاعزم . قال : عليكم كلكم عزمت . ثم قال : يا جرير ما زلت سيدا في الجاهلية والإسلام . وكان عمر رضي اللّه عنه جلدا قويا في الدين لا تأخذه في اللّه لومة لائم . ثم روي أنه خرجت منه ريح وهو يخطب فقال : أيها الناس إني فسوت . وذكر كلاما معناه : إني لا أداهن ولا أداري ، أو نحو هذا . فصرح بعيب نفسه رضي اللّه عنه ، ولم يبال بالناس . بخلاف الحجاج ، اعتراه مثل ذلك ، فقال في أثناء خطبته : أيها الناس ما أراكم