يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
182
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الَّذِي لا يَمُوتُ [ الفرقان : 58 ] أعصاه في ذلك وعلّق قلبه بطعام أو شراب أو دراهم أو دنانير ؟ كلا . وحاشا أن يكون ذلك بل كان قلبه مع اللّه تعالى وتوكله عليه . وإنما أخذ الزاد هو وأصحابه لبيان الجواز لا لميل قلوبهم عن اللّه تعالى إلى الزاد ، واللّه أعلم . وقال عليّ رضي اللّه عنه : إن هذا الرزق ينزل من السماء كقطر المطر إلى كل نفس ما كتب اللّه لها . انتهى . فصل : [ وإذ تقدّم ذكر النملة فاسمع فيها نكتة تساوي رحلة . . . ] وإذ تقدّم ذكر النملة فاسمع فيها نكتة تساوي رحلة : تقدّم أنها تجمع وترفع كما جاء في حديث سليمان عليه الصلاة والسلام أنه كان يفهم منطق الطير كما تقدم ، ويفهم قول الحكل ، والحكل : ما لا يسمع له صوت . يقال : فلان في لسانه حكلة ، أي عجمة لا يبين الكلام . وقال العماني يمدح رجلا : ويفهم قول الحكل لو أن نملة * تساود أخرى لم يفته سوادها السواد : السرار . وسيأتي القول فيه . وقال رؤبة : لو كنت قد أوتيت علم الحكل * علم سليمان كلام النمل وفي القرآن العزيز : حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ النمل : 18 ] أي : لا يعلمون بكم . جاء في التفسير : كان بالشام نملة كالذئاب ، وأفهم اللّه النملة هذا ليكون معجزة لسليمان عليه الصلاة والسلام . فكان يكلم النملة وتكلمه ، فسأل مرة نملة : كم تأكلين في السنة ؟ فقالت : ثلاث حبات . فأخذ نملة وجعلها في حق وجعل معها ثلاثة حبات ، ثم نظر إليها بعد سنة فوجدها قد أكلت حبة ونصف حبة . فقال : كيف هذا ؟ فقالت : لما سجنتني هنا ، وأنت ابن آدم تنسى ، خشيت أن تنساني فوفرت قوت عام آخر . أو كما قال الحديث هذا معناه . وجاء في بعض الأخبار أن المطر أبطأ عن قوم من بني إسرائيل فقالوا : إن لم نمطر هلكنا . فلما علم اللّه ذلك من قلوبهم ورأى أنهم قد اتكلوا على المطر أوحى اللّه تعالى إلى نبيهم : إني قد أمرت السماء أن لا تمطرهم ، وأمرت الأرض أن لا تنبت لهم شيئا ، وقد أوحيت إلى أضعف خلقي أن يقوتهم في هذه السنة ، فأمرهم أن يتتبعوا قرى النمل فليمتاروا منها قوت سنتهم ، فأخرجت النمل ما كان عندها ، فجعل الرجل منهم يأتي فيكتال قوت سنته وينصرف به ، فلما كان في العام المقبل قالوا نزرع ولا نبالي جاء المطر أو لم يجئ فإن اللّه سيرزقنا . فلما علم اللّه ذلك منهم أوحى إلى نبيهم : إني قد