يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
169
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين : إما ظهور وإما شهادة . قال فقال الناس : قد واللّه صدق ابن رواحة ، فمضى الناس واقتتلوا فقاتل زيد براية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم ، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له أشقر فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل . فكان جعفر أول رجل عقر في الإسلام ، ثم قاتل القوم واللواء بيمينه فقطعت ، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة . فأثابه اللّه بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء . ثم أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ، ثم نزل بعد ذلك ثم قاتل حتى قتل . فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه خبرهم وقال : لقد رفعوا في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب ، فرأيت في سرير عبد اللّه بن رواحة ازورار عن سريري صاحبيه كما تقدم . قال الأستاذ رضي اللّه عنه ، وذكر من فضل جعفر رضي اللّه عنه ، وقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وسمع فاطمة تقول حين جاء نعي جعفر : وأعماه . فقال : على مثل جعفر فلتبك البواكي . وكان أبو هريرة رضي اللّه عنه يقول : ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفضل من جعفر . وقف على معنى الجناحين قال الأستاذ رضي اللّه عنه : ومما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين يعني اللذين أعطيهما جعفر أنهما ليسا كما يسبق إلى الوهم أنهما مثل جناحي الطائر وريشه . لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها ، ولكنها عبارة عن صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر كما أعطيتها الملائكة . وقد قال تعالى لموسى عليه السلام : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ [ طه : 22 ] فعبر عن العضد بالجناح توسعا وليس ثم طيران ، فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع الملائكة . أخلق به أدبا أن يوصف بالجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية . وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة : ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ، ولكنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة . لقوله تعالى : أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ فاطر : 1 ] فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا ، ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة